باحثون وحقوقيون يناقشون موضوع “القانون وممارسة التحكيم والوساطة”  بالدارالبيضاء

شكل موضوع ” “مشروع قانون التحكيم و الوساطة الاتفاقية”، “محور ندوة نظمت، يوم 13 مارس الجاري، من طرف جمعية التواصل المهني للمحاماة، تحت عنوان “مشروع قانون التحكيم و الوساطة الاتفاقية”، بدار المحامي بالدار البيضاء، بحضور السادة الأساتذة :النقيب عبد الله درميش، النقيب عمر ودرا، النقيب حسن بيرواين،الدكتور مصطفى بونجة.

وانكب المشاركون في هذا اللقاء على مناقشة مكانة وأهمية الوسائل البديلة لتسوية النزاعات، خاصة التحكيم والوساطة والمصالحة، والتي تعرف حسب المنظمين “اهتماما ما فتئ يتزايد سواء لدى المتخصصين وأعمال البحوث أو الأنظمة القانونية والقضائية”.
وتمحورت أشغال المتدخلين حول مواضيع تهم “اتفاقية التحكيم”، و”مجالات التحكيم والمسائل التحكيمية”، و”الأشخاص العموميين والتحكيم”، و”قرار التحكيم”، و”الوساطة القانونية أو الوساطة التعاقدية” و”مجالات الوساطة”.

وأجمع المتدخلون في هذه الندوة التي عرفت حضورا لافتا للنظر لمهتمين وباحثين وطلبة جامعيين على أن المشرع المغربي دمج الوساطة كآلية بديلة لحل النزاعات في النظام القانوني بموجب القانون رقم 05-08 الصادر بالظهير الشريف المؤرخ في 30 نوفمبر 2007 المعدل لقانون المسطرة المدنية، الذي اعتبر حدث مهم في مسار تدعيم الوسائل البديلة لحل النزاعات بالمغرب.

حيث سعى المشرع المغربي من خلال هذا القانون تمكين الأطراف المتنازعة من آلية تخول لهم اختيار وسيط لحل منازعاتهم و اختيار مسطرة الوساطة بشكل تفاوضي لا يخرج عن قانون إرادتهم، وبذلك فضل القانون المغربي كخطوة أولى تبني الوساطة الاتفاقية دون الوساطة الإجبارية أو القضائية.

لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة بل جاءت بعد محاولات عديدة و تفكير طويل قبل أزيد من عقدين من الزمن، و جاء نتيجة حتمية للتطور و لمواكبة أوضاع الظرفية الحالية للمغرب في ظل الحراك القانوني الاقتصادي، ذلك الحراك الذي لم يلبث إلا و تجد له متغيرات وطنية و دولية، و إنه لمن العبث أن يصادق المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الدولية الجماعية منها و الثنائية في إطار التعاون القضائي بين الدول، هذا الأمر بدأ  منذ أن أخذ المغرب استقلاله بمصادقته على أول أهم اتفاقية تتعلق بالاعتراف و تنفيذ المقررات التحكيمية الأجنبية المعروفة باتفاقية نيويورك لسنة 1958 و ذلك بمقتضى ظهير شريف رقم 1.59.266 المؤرخ في 19 فبراير 1960، و قد توالت بعد ذلك الاتفاقيات المصادق عليها من طرف المغرب و المتعلقة بالتحكيم نذكر على سبيل المثال اتفاقية واشنطن لسنة 1965 الخاصة بتسوية الخلافات الراجعة للاستثمارات بين الدول و رعايا الدول الأخرى و التي انضمت إليها المملكة بمقتضى مرسوم ملكي رقم65ـ564 بتاريخ 31 أكتوبر1966، أما على المستوى الإقليمي نذكر اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري المؤرخة بتاريخ 1987… هذا ناهيك عن العدد الكبير من الاتفاقيات الثنائية مع عدة دول متضمنة شرط اللجوء للتحكيم. 

لكل هذه الاعتبارات فإن الاهتمام بالتحكيم عن طريق فصل مقتضياته عن قانون المسطرة المدنية أصبح أمرا ضروريا لا يختلف فيه عاقلان، هذا الأمر سيحمل بالضرورة إطارا تشريعيا متكاملا يرنو إلى مواكبة التطور الحاصل على مستوى التحكيم و الذي يستتبع التطور الاقتصادي و الاجتماعي للدول، فإذا كان للتحكيم دورا أساسيا في التشجيع على الاستثمار فإنه من جهة أخرى يلعب دورا اجتماعيا يتمثل في التخفيف من ثقل القضايا المعروضة أمام القضاء مقابل قلة الموارد البشرية لجهاز العدالة، مما سيؤدي إلى التسريع في البث في القضايا و تحقيق العدالة في الأحكام الصادرة عن القضاء. 

 دور قانون التحكيم في تحسين مناخ الأعمال 

لا يمكن أن ننكر أفضلية التحكيم كأهم وسيلة لحل النزاعات نظرا لمآل أحكام التحكيم و الحجية التي تكتسيها مقارنة بباقي الوسائل البديلة لحل النزاعات، لهذا فلسنا مخطئين و لا متعصبين للتحكيم إذا اقتصرنا اسم مشروع القانون بقانون التحكيم رغم أن تسميته الكاملة قانون التحكيم و الوساطة الإتفاقية المغربية، لأن التحكيم إلى حدود اللحظة على الأقل هو المراد و الغاية منه و هو الدافع الأساسي لإحداثه، و هذا واضح جليا من خلال المواد المخصصة له مقارنة بالوساطة {التحكيم: 85 مادة. مقابل 15مادة للوساطة الاتفاقية }،  لذلك نجد من المنادين بتخصيص هذا المشروع للتحكيم فقط دون غيره، على غرار المشرع التونسي الذي كان سباقا و تعتبر تجربته رائدة في هذا المجال بإحداثه مجلة التحكيم التونسية المشهود لها بالدقة و الوضوح و التطور. 
يعتبر القانون أحد أهم أسس النماء الاقتصادي ولا جدال في أن أي حديث عن تطور اقتصادي لا بد من مواكبة تشريعية و تطور قانوني و أي إخلال يلحق هذه المعادلة يحدث خلل في التنمية المنشودة، و في هذا الإطار فإن تحديث منظومة التحكيم بالمغرب سيكون مشجعا على التجارة و الاستثمار كونه يبث الاطمئنان في نفوس المستثمرين سواء الأجانب منهم أو الوطنيين. 
تتماشى خصائص التحكيم مع طبيعة التجارة و الأعمال التي كما أسلفنا تقوم على السرعة و السرية حفاظا على المصالح المشتركة للمستثمرين و رجال الأعمال، هذا الأمر ساهم في تحسين مناخ الأعمال في المغرب خاصة بعدما أصبح المغرب في الآونة الأخيرة قبلة مفضلة لإنجاح المشاريع الاقتصادية الضخمة من طرف العديد من الدول المتقدمة، لذلك يقتضي التشجيع على هذه الاستثمارات إرضاء المنعشين و الفاعلين الاقتصاديين بتعزيز منظومة الأعمال بالمغرب بقانون خاص بالتحكيم حتى يتسنى و يسهل على المستثمرين و كل المهتمين في مجال التحكيم الإطلاع عليها، وهذا التخصيص وحده يعتبر خطوة إيجابية و محمودة من طرف المشرع، وبالطبع فإن هذه الخطوة لابد أن تكون مدعمة بإحداث قانون مساير للاتفاقيات الدولية و أكثر وضوحا متجاوزا الثغرات و الإغفال التي اتسمت بها المقتضيات الحالية و القديمة التي تنظم التحكيم، فهل بالفعل يستجيب مشروع قانون التحكيم للتطلعات المنتظرة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.