العشوائي في إقليم مديونة: مجزؤون سريون قاموا بإنشاء مستودعات على ضيعات أجود الأراضي الفلاحية

الأنـــــــباء: محمد زريزر

هل يتذكر المتورطون في قضايا وفضائح البناء العشوائي والإسطبلات والمستودعات في منطقة لهراويين سنة 2009  بالتأكيد، لأنها كانت الحد الفاصل قانونيا وقضائيا بين سنوات طويلة من تشجيع البناء العشوائي لأسباب متعددة، ودخول السلطات على الخط للضرب بيد من حديد على المتلاعبين. في الأول من يناير من تلك السنة، حلت لجنة ضمت وزير الداخلية آنذاك، وزير العدل، و وزير السكنى والتعمير، والجنرال دو كور دارمي، قائد الدرك الملكي، و المفتش العام للقوات المساعدة، للوقوف على حجم الفوضى التي سببتها لوبيات العشوائي والوحدات الصناعية العشوائية في المنطقة. وعلى الفور اطلع الرأي العام الوطني على تداعليات هذه الزيارة، فقد أمر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بإيداع 55 شخصا بسجن عكاشة، للاشتباه في تورطهم في البناء العشوائي بمنطقة الهراويين، تضم 5 أفراد من رجال السلطة المحلية من درجة قائد وخليفة واحد، و13 شخصا من أعوان السلطة، منهم 10 شيوخ، و3 مقدمين، و3 مستشارين جماعيين، و6 تقنيين بالعمالة. ثم أحيل 70 شخصا أحيلوا على قاضي التحقيق، صباح اليوم نفسه، بعدما أمر الوكيل العام للملك باستئنافية البيضاء بإحالتهم، في حالة اعتقال، من أجل الاشتباه في تورطهم في “جرائم استغلال النفوذ، والارتشاء، وإحداث تجزئات عقارية وسكنية من دون الحصول على إذن سابق، والبناء من دون رخصة، والنصب. مباشرة بعد ذلك عزلت وزارة الداخلية رئيس الجماعة القروية ، وأربعة مستشارين، وجرى التحقيق معه حول رخص البناء، التي وقعها، وتلك المتعلقة بالترخيص بإنشاء مصانع.

وتحتل جماعتي واد حصار سيدي حجاج  و المجاطية المرتبة الثانية بعد جماعة الهراويين من حيث انتشار البناء العشوائي، حيث أصبحتا هاتين الجماعتين القرويتين – التي تتبع إداريا لعمالة اقليم مديونة قبلة لعشرات الآلاف من المواطنين وكثافة سكانية لا مثيل لها، تحولت على إثرها الضيعات وأجود الأراضي الفلاحية إلى منازل ومستودعات عشوائية كما حدث بدواوير مرشيش والحمادات والعسكر والحلايبية وزيز وخدجة ومومنات وامزاب والهلالات وأولاد الطالب ومرس السكر وسيدي غانم، وهي الحالة التي ابتدأت منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن.
دوواير مثل مرشيش والحلايبية وامزاب ومومنات  ودوار اولاد سيدي مسعود ودواد أولاد السي أمبارك ودوار لحنانشة، وهلم جرا ، تبقى صورة مصغرة عن وضعية جماعتي واد حصار سيدي حجاج، و المجاطية من حيث البناء العشوائي والمستودعات/ الوحدات الصناعية المنتشرة كالفطر، يعلم الله ماذا يصنع بداخلها، وترجع أسباب تناسل هذه الدواوير، حسب صناع الخرائط الانتخابية، إلى عاملين مهمين أولهما يرجع إلى الهجرة القروية، ثم تشجيع الجهات المنتخبة وغيرهم بالمنطقة على تناسل مثل هذه التجمعات السكنية لضمان أصوات تلك المناطق في الاستحقاقات خصوصا في الانتخابات الجماعية والبرلمانية. وقد أظهرت التحقيقات مع المتورطين آنذاك أن أغلب المستودعات التي تم الترخيص ببنائها لم تكن تراعي لا مقتضيات التعمير ولا القوانين المنظمة لبناء المستودعات خصوصا تلك المستودعات التي تعود للوبيات معروفة بالمنطقة باتجارها في كل شيء…
جماعة سيدي حجاج بنفس الإقليم لا تبدو أحسن حالا. فقد ترجم تذمر السكان المحليين قسطا كبيرا من الغضب الذي ظل يجتاحهم لسنوات قبل أن تدخل السلطات على الخط وتضرب بقوة على يد المتنفذين. كان أول الغيث التحقيق في عشرات المعامل والمصانع ومؤسسات الإنتاج العشوائية التي ازدهرت في المنطقة كالفطر منذ سنوات. دخول كان قد تسبب في عزل رئيس الجماعة وبعض معاونيه بعد تبوث ضلوعهم في ترخيصات غير قانونية لأصحاب هذه البنايات في فبراير من العام 2009. انتقل إقليم مديونة، إلى درجة عالية في عالم الاقتصاد العشوائي، فهو الإقليم الذي يحتضن العديد من المناطق الصناعية  غير معترف معترفا بها رسميا.(المجاطية ـ سدي حجاج واد حصار ـ تيط مليل ـ  أولاد الطالب – دوار لحنانشة ـ أولاد سيدي مسعود، اللائحة طويلة….)، تنتشر بها أضعاف هذه الوحدات الصناعية غير رسمية في مختلف الأحياء والتجمعات السكنية.

ففي كل صباح، ترى أسراب الأجساد تتسلل إليها أمام أعين الساهرين عن الأمن والسلامة بدءا من السلطات المنتخبة  وصولا للسلطات المحلية المتمثلة في  الباشوات والقياد وانتهاء بالشيوخ والمقدمين .. دون أن يتخذوا  إجراءات بشأنها… أحد المستثمرين صرح لنا بهذا الخصوص بأن وزير الداخلية إبان الكارثة التي عرفها مصنع ليساسفة، صرح بأن بالدار البيضاء خمس مناطق صناعية، أي أن الدولة لا تعترف إلا بهذه المناطق، ومع ذلك تترك النشاط الاقتصادي العشوائي ينتشر في الجماعات القروية التابعة لإقليم مديونة دون أي تدخل من جهتها.

في الحقيقة، الأمر لا يتوقف على المصانع العشوائية المتوزعة على دواوير العديد من الجماعات القروية بإقليم مديونة، بل التسيب وصل إلى حد خلق أحياء صناعية عشوائية كبرى، في كل من مناطق مديونة، تيط مليل، دوار أولاد سيدي مسعود، دوار لحنانشة والمجاطية .. والكل يعلم بها، من عامل الإقليم إلى «الدياجي» وانتهاء بالمقدمين والشيوخ…

المصانع العشوائية بهذه المناطق، أحدثها ، وبتواطؤ مع جهات في السلطة المحلية، رؤساء جماعات ومنتخبون..

نعم منتخبون ومسيرون في الجماعات القروية التابعة لإقليم مديونة، حيث حولوا هكتارات فلاحية إلى مصانع عشوائية، لا تفتقر فقط إلى شروط السلامة، ولكنها لا تتوفر لا على «الواد الحار» ولا على طريق ولا وسائل نقل ولا مراكز قريبة للوقاية المدنية ولا أي شيء.

تستقبل هذه «المصانع» يوميا آلاف العاملين لا يتوفرون ولا على دليل واحد يثبت أنهم يعملون في مصنع، يتعرضون يوميا إلى برنامج «سلب الحقوق»، منهم من تبتر أصابعه ومنهم من يتعرض للسب ، ومنهم من يتعرض حتى للموت ويُرمى به خارجا، لأن صاحب المصنع /الشبح لا يتوفر على تأمين، وكيف

سيكون له التأمين ومصنعه لا يمر منه حتى «الواد الحار»؟ وبإطلالة على المنطقة، نجد بأن دوار أولاد سيدي مسعود  ودوار لحنانشة التابعين للجماعة القروية سيدي حجاج وادي حصار، وبقدرة قادر، تحولت جل أراضيهما الفلاحية إلى هنكارات ومصانع ومساكن عشوائية، وقد تم ، وفي غفلة من الجميع ، بناء أزيد من 600 هنكار منها ما تم بيعه، ومنها ما تم كراؤه ، وتدر هذه «الهنكارات » على أصحابها ما يزيد عن 30 مليون سنتيم شهرياً.

تقوم هذه المصانع بإنتاج كل المواد بما فيها الغذائية، تستعمل مياه الآبار ولا يعلم أحد إن كانت مياهها صالحة و خاضعة للمراقبة الطبية! كيف بنيت هذه الأحياء الصناعية ومن يقف وراءها؟

رغم المجهودات الجبارة التي تحسب لسرية الدرك الملكي في منطقة تيط مليل قائدا وعناصر لمراقبة ومحاربة  «الهنكارات »  وأنشطتها، فان هذه المجهودات غير كافية مادام أن هناك سلطات محلية وأخرى منتخبة، وأعوان السلطة من مقدمين وشيوخ متواطؤون ومتورطون في إنتشار الهنكارات، ومن هذا المنبر نقول الله يكون في عون  رجال سرية الدرك الملكي بتيط مليل .

فبالرغم من المداهمات المتكررة للمركز القضائي التابع لسرية الدرك الملكي بتيط مليل والذي أبلى البلاء الحسن في تصديه لكل المخالفين للقانون، وأصحاب المشاريع المشبوهة كالمستودع الذي تم ضبط فيه أزيد من أربعة أطنان من المخدرات، و محل لبيع المربى و الحلويات المخصصة للأطفال، والذي تم ضبطه بتاريخ 20 ماي 2017، حيث تبين لعناصر الدرك الملكي حينها أن هذا المستودع أنشطته مشبوهة وبالفعل تمت مداهمته ليتبين لهم بعد فرار صاحبه لحدود الساعة، والذي حررت ضده مذكرات بحث محلية ووطنية بعدما  تم اعتقال اثنين من العاملين معه، والحكم عليهما بشهرين حبسا نافذا بتهمة تعريض صحة المواطن للخطر بسبب الظروف غير الصحية التي كان يشتغل بها هذا المستودع.

الأدهى والأمر أنه عند زيارتنا الميدانية  لدواوير جماعة سيدي حجاج واد حصار  اتضح لنا وبالواضح أن باشوية المنطقة التابعة لعمالة مديونة خارج التغطية. وأن هذا التسيب ما كان ليطغى على ارض الواقع لولا تهاون السلطة المحلية في محاربته أو تواطؤها مع المفسدين علما أن لا الجماعة ولا غير الجماعة قامت بالترخيص لهذه المشاريع العشوائية، وإلا كيف تفسرون كل هذا الكم من المستودعات التي أصبحت تنتشر بدون حسيب ولا رقيب رغم الحملات المتواصلة للمركز القضائي التابع لسرية الدرك الملكي بتيط مليل.

لكن الخطير هو أن لا أحد يعرف  ما يجري ويدور داخل «الهنكارات » العشوائية، وهي أماكن مغلقة ما هي الأنشطة التي تمارس،و هل يعلم السادة المقدمين والشيوخ  ماذا يفعل أصحاب «الهنكارات » المغلقة.

فمن يدري قد يكون من بين هذه المستودعات غير المرخصة خلايا نائمة أو مافيات المخدرات والتهريب وهلم جرا..

والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا تجني الدولة من هذه الوحدات التي تعد بالمئات بتيط مليل، ناهيك عن التهرب الضريبي وسرقة الكهرباء والتحايل على قانون الشغل، بعيدا عن أي مراقبة، ثم ما هو دور جمعية حماية المستهلك إن وجدت أصلا؟

في طل غياب السلطات المحلية والمنتخبة، وأعوان السلطة من مقدمين وشيوخ، ووجود متواطؤون ومتورطون في إنتشار «الهنكارات »، تطالب  شريحة واسعة من المواطنين بإقليم مديونة من المسؤول الأول للدرك الملكي بسرية تيط مليل، تكثيف الجهود من حملات ومداهمات والمراقبة القبلية والبعدية لمثل هذه الأوكار والضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه العبث بأمن البلاد، وسلامة و صحة المواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.