لهذا السبب تأسف محمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة

«لقد تعلمت شخصيا من محامين ونقباء كبار .. ما لم أتعلمه من أساتذتي وزملائي من القضاة..»، بهذه العبارة الدالة خاطب رئيس النيابة العامة جمع المحامين العرب الملتئم بمدينة وجدة على امتداد ثلاثة أيام.

وفي سرد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض للدروس التي استخلصها من أصحاب البذلة السوداء، والعبر التي استقاها من حماة العدالة، قال إنه في «مرتين على الأقل، وهو يستقبل نقيبين (كل على حدة)، حدث أن رنَّ جرس الهاتف في جيبيهما .. وفي المرتين معا ـ يقول عبد النباوي ـ شاهدتُ بأمِّ عيني النقيبين تعلو وجهيهما حُمْرةُ الخجل، ويتلعثمان في البحث عن عبارات الأسف والاعتذار»… والأمر هنا يتعلق بحسب رئيس النيابة العامة بـ «هرمين من قامات الدفاع..»، «ولجا مهنة الدفاع وأنا بعد تلميذ في المدرسة الابتدائية»، يقول مسؤول النيابة العامة.

وأضاف عبد النباوي في كلمته التي ألقاها أمس الخميس في افتتاح أشغال المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، «حاولت أن أخفف من حدة الحدث.. وهو حدث يمكن أن يقع لأي منا.. ولكن الرجلين ـ رحمهما الله ـ استعظماه..»، مشيرا إلى أنهما «قالا إنه ليس جديراً بهما ترك الهاتف مشغلا وهما يلجان مجلس القضاء…».

في شرحه لمكان وزمان هذين الحدثين قال الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إن «الأمر لا يتعلق بجلسة أحكام، ولكن النقيبين حضرا لمكتبي وأنا وكيل للملك لتقديم شكايات…».

لم تكن هذه القصة الوحيدة التي سردها المسؤول القضائي ذاته، الذي أضاف «أذكر أنني كنت قد استقبلت، وأنا وكيل للملك بإحدى محاكم الدار البيضاء، جمعية للقانونيين الأمريكيين زارتنا للترويج لنظام الصلح».

يقول عبد النباوي «كانت الجمعية تتكون من قضاة ومحامين، أخبرونا أن القانون الأمريكي في الولاية التي ينتمون إليها يعتبر محاولة الصلح إجبارية، وأن المدعي ملزم باللجوء إلى مسطرة التصالح وإعطاء الفرصة الكافية للوسيط لإجراء المصالحة لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل إمكانية تقديم دعواه».

يقول رئيس النيابة العامة «تساءلتُ عمَّا أعده القانون من إجراءات لإلزام المدعى عليه بالحضور لجلسات الصلح. فأجابتني إحدى القاضيات واسمها (السيدة كوين)، أن القانون قد أوجد قاض للبت في مثل هذه القضايا، ويمكنه أن يحكم على الخصم الذي لا يساهم في جلسات الصلح بغرامة قد تصل إلى 500 دولار أمريكي.. وأن محكمتها الصغيرة استغنت عن هذا القاضي لإقبال المتقاضين على الصلح. وإذا حدث أن تخلف أحدهم، فإن القاضي لا يحكم بأكثر من خمسين دولاراً. وهذا لا يحدث لأن القاضي سيتصل هاتفيا بالمحامي ليستفسره عن سبب عدم إقباله على الصلح، فينتهي الأمر؟.

يقول عبد النباوي «كنت أهيئ سؤالا ثانياً أقول فيه: «ما قيمة خمسمائة دولار إذا كان النزاع يتعلق بملايين الدولارات، وأن ضياع ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى إفلاس مقاولات ووو .. ؟!»، كنت أستحضر ما قد يلجأ له المتقاضون بسوء نية في بلدي. كما كنت أريد أن أسأل وماذا سيحدث لو أن المكالمة الهاتفية بين القاضي والمحامي آلت إلى ما لا تحمد عقباه …؟

لكن المتحدث لم يترك من فرصة للتخمين لجموع المحامين الملتئمين في مدينة وجدة، عندما قال لهم: «أخذ الكلمة أحد المحامين من الوفد الأمريكي، ليؤكد جواب القاضية. ولكنه أضاف «أنه هو كمحامي يَهُونُ عليه أن يؤدي غرامة خمسمائة دولار أو أكثر من ذلك، على أن يتوصل بمكالمة من القاضية «كوين».. لما في ذلك من مهانة له كعضو بهيئة الدفاع».

عند هذه النقطة شرح رئيس النيابة العامة لمستمعيه حاله بالقول «ابتَلعت لساني، ولم أنْبُس بكلمة.. فمثل هذه الأخلاق ماضية في بلادنا إلى الزوال للأسف…!!»

قبل أن يضيف «أقول هذا اليوم، وأنا أتابع ما يقع ببعض قاعات المحاكم، لعل زملائي من القضاة والمحامين يستحضرون البعد الأخلاقي لمهنتي القضاء والمحاماة.. ويستوعبون فلسفة المشرع من جعل المحاماة جزءا من مهنة القضاء، فيعيدون بناء ما انهدم من جسور الحوار المبني على الاحترام المتبادل، وعلى تغليب قيم احترام القضاء وهيبة مجالسه والوقار اللازم لأعضائه، ونبل مهنة المحاماة وشرفها التليد وقيمها الراسخة، خلال ممارسة مهامهم .. فما زال الأمر ممكناً».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.