“حصاد 2018”. المغرب.. مسار جديد في معالجة مسألة الهجرة

تعتبر الهجرة من أقدم الظواهر الإنسانية عبر التاريخ، وقد مارسها الإنسان عبر العصور إما اختيارا أو اضطرارا ولأسباب متعددة قد تكون بيئية أو اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك.

وتساهم الحروب والاضطرابات السياسية بشكل كبير في تصاعد موجاتها. وقد شهدت هذه الظاهرة في عصرنا الحديث، خاصة الهجرة الخارجية، زيادة متسارعة في أعداد المهاجرين من بلدانهم الأصلية إلى بلدان العالم، وتزايد معها انشغال العالم والمجتمع الدولي بإشكالاتها وسبل تدبيرها بما يحقق التكامل العالمي بأبعاده المتعددة ويحفظ حقوق الإنسان كمطلب كوني.
والهجرة بما هي ظاهرة بشرية عالمية لم تتوقف منذ بداية الحضارة الإنسانية، ولا يمكن تحميل مسؤليتها لبلد دون آخر أو لقارة دون أخرى ، وبالتالي فمعالجتها ينبغي أن تكون في إطار مقاربة شمولية تبحث في جذور القضية أولا ، وتستحضر في تدبيرها البعد الإنساني استنادا إلى منهج واقعي ومسؤول يوازن بين مصالح الدول وسيادتها ويحترم الحقوق الإنسانية للمهاجرين .
وليس من الإنصاف بمكان اختزال مسألة الهجرة في كونها مصدرا للمتاعب لدول الاستقبال وحصرها في بوتقة سياسوية انتخابية قاصرة تعلق انعدام الأمن وتردي الأوضاع على مشجب المهاجرين، فكم غطت العقول المهاجرة والطاقات الشابة والأيادي العاملة خصاص وحاجيات دول الاستقبال في أوروبا والغرب عموما ، علاوة على كونها لعبت عبر التاريخ دورا هاما في تنمية بلدان المنشأ والاستقبال بما شكل ولا يزال مكسبا لكل المجتمعات.
وحسب تقرير الأمم المتحدة حول الهجرة، فإن أكثر من 258 مليون شخص في العالم هم مهاجرون، ( 3,4 في المائة من مجموع سكان العالم)، وأعدادهم في ازدياد. وتمثل تحويلاتهم المالية حوالي 450 مليار دولار، أي حوالي 9 بالمائة من الناتج الخام العالمي.
ويوما بعد يوم ، يتأكد للجميع في عالم يعيش على إيقاع توترات متزايدة، يتسيد فيها الصراع والفوضى ويتنامى فيها خطاب الكراهية ورفض الآخر بشكل مثير للقلق، أن المقاربة الأمنية وحدها لن تحل معضلة الهجرة، ولن توقفها حتى، وأقصى ما يمكن أن تفضي إليه هو تغيير مسارات حركات المهاجرين فحسب، مع استمرار مآسي المهاجرين الفارين من نير الحروب والاضطرابات السياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون الدولي في مجال تدبير الهجرة وتنظيمها والتحكم في تدفقاتها، من خلال رؤية شمولية تجمع بين التدابير الأمنية غير المخلة بكرامة الانسان، والاستثمار وتعزيز التنمية في البلدان المصدرة للهجرة ، حتى لا يضطر مواطنوها إلى تركها والرحيل عنها إلى وجهات أخرى، وبذلك يتسنى وضع حد لشبكات تهريب البشر والاتجار بهم.

وانطلاقا من هذا المنظور، يمكن صياغة سياسات تتعاطى مع المهاجرين كقوة فاعلة في التنمية عبر تعزيز قدرتها على التكيف، والاستفادة من أثرها الإنمائي سواء في بلدان المنشأ أو الاستقبال ، بما يحقق مستقبلا أفضل وأكثر استدامة للجميع وينسجم وأهداف التنمية المستدامة 2030.
والمغرب اعتبارا لموقعه الجغرافي، تحول مع مرور الزمن وفي ظروف إقليمية مضطربة، من بلد مصدر للهجرة إلى مستقبل لها، وهو وضع جعله أمام تحديات اجتماعية واقتصادية وحقوقية صعبة ، دفعت في اتجاه تبنيه مقاربة استباقية عبر إحداث إطار مؤسساتي خاص بالهجرة واعتماد سياسة جديدة عام 2013 في هذا المجال، تقوم على تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين غير القانونيين وتسهيل اندماجهم وضمان ولوجهم إلى الحقوق والخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والسكن الاجتماعي والشغل.
وفي إطار مقاربتها التشاركية الخاصة بإدارة الهجرة وتداعياتها، عملت المملكة على وضع آلية للتعاون والتكامل بين دول الاتحاد الإفريقي لتذليل الصعاب الناجمة عن ظاهرة الهجرة. وأدى نجاح هذه المقاربة، على المستوى الوطني إلى تأهل المغرب ليكون “رائد الاتحاد الإفريقي في موضوع الهجرة” كما أدى إلى بلورة “الأجندة الإفريقية للهجرة”، التي تم اعتمادها بالإجماع، في قمة الاتحاد الإفريقي المنعقدة في يناير 2018.
وباقتراح من المملكة، وتحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك، تم إحداث مرصد إفريقي حول الهجرة كآلية عملية لمواكبة الهجرة، بغرض التفكير والعمل بشكل استباقي على محاصرة إشكالاتها المعقدة .
وانطلاقا من الدور الطلائعي الإفريقي الذي يضطلع به، وفي إطار أنشطته للترافع الدولي من أجل مقاربة جديدة بشأن الهجرة، تولى المغرب إلى جانب ألمانيا منذ 2017 رئاسة المنتدى العالمي حول الهجرة والتنمية الذي انعقدت قمته الحادية عشرة بمراكش بين 5 و7 دجنبر في إطار الاستعدادات المتعلقة بوضع ميثاق عالمي للهجرة وميثاق عالمي حول اللاجئين.
وتوجت هذه الاستعدادات بعقد المؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي للهجرة بالمدينة الحمراء (10 – 11 دجنبر الجاري)، هذا المؤتمر التاريخي الذي جاء ثمرة لمسار طويل من المفاوضات انطلق في 2016 من خلال تبني الأمم المتحدة لإعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين.
وبالمصادقة على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة، منظمة ومنتظمة، من قبل 150 بلدا عضوا، بحضور متميز لرؤساء دول وحكومات ، تكون المملكة قد حظيت بشرف احتضان ملتقى دولي هام يدشن لمسار أممي جديد في معالجة مسألة الهجرة، وسط إشادة عالمية بالدور الريادي للمملكة، وإجماع دولي على اعتبار المغرب شريكا استراتيجيا مهما وموثوقا به في شمال إفريقيا ولإفريقيا نفسها .
ولم يسع لويز آربر، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالهجرة الدولية إلا أن تقول بخصوص الميثاق العالمي للهجرة المصادق عليه بالمدينة الحمراء، إنه ” يعد أول مجهود جدي تم بذله على الإطلاق لتعزيز التعاون الدولي في إدارة التنقل البشري عبر الحدود بريادة المغرب في مجال الهجرة، وتحت قيادة جلالة الملك محمد السادس “رائد الاتحاد الإفريقي في موضوع الهجرة”.
ويروم الميثاق العالمي للهجرة الذي ينتظر إقراره أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 19 دجنبر الجاري، تمكين الدول من تدبير أفضل للهجرة والتحكم فيها وتوجيهها على نحو أكثر تنظيما وأمانا.
ويشتمل الميثاق العالمي، غير الملزم قانونيا، على 23 هدفا يتمحور بالأساس حول الدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال والاعتراف بالسيادة الوطنية ومساعدة الدول على مواجهة موجات الهجرة عبر تبادل الخبرات واستيعاب المهاجرين وتسهيل مساهماتهم في التنمية المستدامة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.
ويبقى التحدي كما قال جلالة الملك في رسالته السامية الموجهة للمؤتمر الحكومي الدولي من أجل الاتفاق العالمي حول الهجرة بمراكش، “هو إثبات مدى قدرة المجتمع الدولي، على التضامن الجماعي والمسؤول بشأن قضية الهجرة”، معتبرا جلالته أن ” الميثاق العالمي ليس غاية في حد ذاته، ولا يستمد معناه الحقيقي إلا عبر التنفيذ الفعلي لمضامينه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.