البابا في المغرب: المغرب بلد التسامح الديني ويمثل أملا كبيرا للإنسانية

أعلن الفاتيكان أنّ البابا فرانسيس سيزور المغرب نهاية شهر مارس الجاري من العام الجاري، في أول زيارة له لهذا البلد العربي المغاربي، وذلك في إطار تشجيع الحوار الإسلامي ـ المسيحي في لحظة زمنية يواجه فيها الطرفان صعود نزعة التطرف الديني في الجانبين، في الجانب الإسلامي لأنّ هناك تيارات باتت اليوم شبه ناطقة باسم الإسلام في ثوبه المتشدد، وفي الجانب المسيحي لأنّ عدداً من التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا هي اليوم بمثابة الوريث الشرعي للأنماط الثقافية القروسطية التي كانت تغذيها الكنيسة الكاثوليكية، وهي إن كانت في الغالب الأعم غير متدينة، إلا أن خلفياتها الثقافية تجد أصولها في الخلفية الدينية.

حين يتحول التطرف الديني إلى معول لهدم التراث الإنساني

اختيار المغرب لم يكن عبثاً؛ فهذا البلد، الذي يقع على خاصرة أوروبا، ظل مفتاحاً مهماً في تجسير الفجوة بين الثقافتين؛ الإسلامية والمسيحية على مر القرون. وقد شكل البلد نموذجاً للتسامح الديني منذ أزمنة طويلة، وتمثل هذا التسامح بشكل واضح في القرن الخامس عشر عندما قررت الكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا طرد المسلمين واليهود الذين رفضوا اعتناق المسيحية كرهاً، بعد سقوط غرناطة عام 1492. ويقول الكثيرون من المؤرخين الإسبان إنّ حرب تطوان الشهيرة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خاضها المغرب ضد إسبانيا من أجل هدفين مترابطين، الأول هو حماية وحدته الترابية وسيادته، والهدف الثاني هو حماية الأقلية اليهودية التي كانت قد استوطنت في المغرب طوال ثلاثة قرون بعد تهجيرهم. ذلك أنّ من بين أهداف إسبانيا في تلك الفترة إكراه اليهود على اعتناق المسيحية والعودة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، إذ إنّ “وصية إليزابيث” الشهيرة (Testamento de Isabel la Católica) كانت تدعو إلى ملاحقة “الكفار” أينما كانوا وإرجاعهم إلى كلمة المسيح. ولا يزال اليهود المغاربة حتى اليوم يتذكرون بفخر موقف السلطان الراحل محمد الخامس عندما رفض تسليمهم إلى حكومة فيشي الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، لكي تسلمهم باريس إلى ألمانيا النازية.

المغرب الواقع على خاصرة أوروبا ظل مفتاحاً مهماً في تجسير الفجوة بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية على مر القرون.

وإذا كانت هذه الزيارة الأولى للبابا الحالي للمغرب إلا أنها ثاني زيارة يقوم بها بابا الفاتيكان. ففي العام 1985 زار البابا الراحل جون بول الثاني المملكة المغربية بدعوة من الملك الراحل الحسن الثاني. وكما هي الزيارة الحالية التي تأتي في ظروف خاصة، جاءت الزيارة السابقة في ظروف لا تقل خصوصية. ففي تلك الفترة كان الخميني في إيران يحاول أن يحوّل صراعه السياسي مع أمريكا “الشيطان الأكبر” إلى حرب مفتوحة مع الغرب كله عبر توظيف الشعارات الإسلامية، وفي قلبها قضية القدس، وبالتالي جر المسلمين وراءه في تعصب طائفي. وقبل عام واحد من تلك الزيارة وجه الحسن الثاني طيب الله ثراه “رسالة القرن” إلى الأمة الإسلامية، بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، أهاب فيها بالمسلمين إلى الوحدة واجتماع الكلمة ونبذ الطائفية والتمزق باسم الدين. وخلال زيارة البابا حرص الملك الراحل على أن يلتقي جون بول الثاني مع الشباب المغربي لكي لا تظل الزيارة ذات طابع رسمي بين بابا الفاتيكان وزعيم عربي، فكان أن ألقى البابا خطاباً في ملعب واسع بالدار البيضاء أمام الآلاف من الشبان والمواطنين المغاربة، ثمن فيها جهود المغرب في خدمة التقارب مع الأديان وخاصة المسيحية، وأشاد فيه بالأدوار التاريخية التي قامت بها المملكة، كجسر بين أوروبا والعالم العربي والقارة الإفريقية.

تلك هي التقاليد التي ترسّخت في المغرب وجعلت منه مثالاً للتسامح والتعايش بين مختلف الأديان. ولم يكن مستغرباً أن يكون المغرب البلد الذي احتضن مؤتمر الأقليات بمراكش في كانون يناير من العام 2016، بحضور مئات المندوبين والشركاء والعلماء والمؤسسات الدينية. وقد أصدر المؤتمر “بيان مراكش” الذي صار مرجعاً في قضية التعايش بين مختلف الأقليات في العالم الإسلامي، واتخذ البيان خلفية له “وثيقة المدينة” كتجربة إسلامية حضارية أطلقت دينامية كبرى، ما فتئت أن تعثرت بسبب سيادة فقه متشدد لا يرى في الآخر سوى عدو ولا يرى في التسامح سوى اقتطاع من مساحة غير مسموح المساس بها. وقد بلور جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، هذا التصور خلال زيارته لمدغشقر في نوفمبر من عام 2016، عندما أكد للصحافة المحلية أنّ ملك المغرب ليس أميراً للمؤمنين المسلمين فحسب، بل لجميع الديانات الموجود في المغرب.

ولعل من شأن هذه الزيارة أن تعيد التركيز مجدداً على أهمية التسامح الديني في العالم الإسلامي والغرب. وانطلاقاً من التجربة المغربية والرصيد التاريخي للمملكة، فهذه الأخيرة ستضع الأصبع على ضرورة المسؤولية المشتركة في التصدي للتطرف والعنف، مهما كان شكل التدين الذي ينطلقان منه ويصدران عنه، فالمعالجة المشتركة للتحديات هي السبيل الممكن لتجاوز المعوقات التي تحول دون تحقيق المساحة المشتركة بين الديانات والثقافات، وتمنح للمتطرفين مسوغات للتشكيك في مسلّمات متفق عليها لدى مختلف الأديان، لكن صارت اليوم بحاجة إلى أصوات تذكر بها، بعد أن تم السطو على جوانب التسامح والتعايش في مختلف الديانات والثقافات.

لقد أصبحت هناك حاجة اليوم إلى استنطاق هذه القيم الإيجابية في كل دين، وقطع شأفة الصراع، وكما أنّ للأنظمة والمؤسسات الإسلامية دوراً في التذكير بهذه القيم، على أكتاف بابا الفاتيكان مسؤولية التذكير بها أيضاً إزاء المتطرفين المنتمين إلى الديانة الكاثوليكية، فواجب السلطة الدينية في كل طرف محاربة نزعات العنف والتوحش في ساحتها لكي تستقيم أحوال العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.