حذاري من دخلاء العمل الإعلامي يتسلّقون «المهنة» بـحثـاً عن الشهرة وأشياء أخرى..

يوم الثلاثاء الماضي شاركت في ندوة في رحاب النادي الأدبي، وكان عنوان الندوة «الكاتب الصحفي »، حيث كانت مشاركتي ككاتب رأي، لم أعتمد على خبرتي فقط في الكتابة من خلال منبر إعلامي، بل اعتمدت أيضا على خبرتي الأكاديمية في الدراسة والتحليل للموضوع، وحين وصلت إلى مشارف  الندوة صادفت الجور حارا، لم أعد أدراجي من حيث أتيت لأنني كنت قد وافقت على الحضور والمشاركة، إضافة إلى أنها فرصة للمشاركة في فعالية مجتمعية، تضاف إلى سجل المنجزات في هذا المجال، وحسنا أنني لم أتراجع، فقد وجدت في انتظاري عندما دخلت القاعة عددا لا بأس به من السادة المثقفين، الذين أثروا بمشاركاتهم الحوار، وأضفوا إليه الكثير، خاصة أنه كان بينهن شابات أبدين رغبتهن في الانخراط بمجال الصحافة، وحضرن خصيصا للتزود بالمعرفة والخبرة من حيث تضارب التعريفات وتداخل التخصصات بالنسبة لماهية الكاتب الصحفي.

في مصادفة جمعتني ببعض ممتهني مهنة الصحافة، اكتشفت أنهم لا يعرفون الحد الأدنى من المعلومات عن تاريخ بلادهم، بدءاً بالمغرب وانتهاء باليمن.. ولبنان ، فضلاً عن سوريا والعراق ومصر..الخ.

وعبر النقاش تبين أن المسؤولية عن هذا الواقع المؤسف لا تنحصر بالمدارس (رسمية وخاصة) ولا بالجامعات فحسب، بل هي تنبع من الجهل، فيتقبلون النتائج ويسلمون بهذا الجهل الفاضح بالهوية وعلاقتها بالتاريخ والجغرافي..

لمعرفة مدى معرفة هؤلاء الصحافيين تاريخهم الوطني ومدى معرفتهم بالرموز الوطنية التي لعبت أدوارا كبيرة في حركة التحرر الوطني وكان لهم إسهاما واضحا في حصول على الاستقلال.

الأسئلة كانت سهلة بالنسبة إلى من له معرفة سطحية وثقافة عامة بالتاريخ المغربي وخاصة حقبته الحديثة وما حصل في زمن الاستعمار وما رافقها من مقاومة مسلحة في الجبال وما تلاها من مفاوضات على الاستقلال، ولكن الصدمة والنكبة التي يمكن وصفها بقاصمة الظهر هي في إجابات البعض من الصحافيين والتي جاءت فاضحة للمستوى الثقافي الذي وصل إليه جيل اليوم والحالة التعليمية التي انتجتها مدرسة الاستقلال .. كان السؤال الأول ماذا يمثل لك تاريخ 11 يناير 1944؟ فكانت الإجابة لا أعلم . فجاء السؤال الثاني من هو أول رئيس الحكومة بعد الاستقلال ؟ ومعه جاءت إجابة أحد المستجوبين من أشباه الصحافيين لا أعلم في حين أجاب آخر بأنه السيد احمد عصمان .

أما السؤال الثالث فكان حول شخصية الزعيم الوطني علال الفاسي وهو شخصية أشهر من نار على علم شأنه شأن الزعيم المهدي بن بركة وكل زعماء الحركة الوطنية. كان السؤال هل تعرف علال الفاسي ؟ فجاءت الإجابة صادمة ومبكية حيث أجاب السائل : ” علال الفاسي هو إسم شارع من شوارع إحدى المدن المغربية “. وتتواصل النكبة والصدمة والذهول حينما سألت صحافية عن تاريخ مدونة الأسرة فتتردد ويظهر عليها الإرتباك لتقول في الأخير وضحكة ترافقها تاريخ مدونة الأسرة هو سنة 1994 يا للمصيبة فتاة اليوم وامرأة الغد لا تعرف تاريخ مدونة الأسرة مفخرة نساء المغرب.

وهكذا كانت كل الأجوبة عن أسئلة التاريخ المغربي والتاريخ المعاصر فقوبل سؤال كم دام الاستعمار الفرنسي في بلادنا ؟ وما هو تاريخ خروج آخر جندي من ترابنا ؟ بإجابة أحدهم ” بربي منين جبت هذه الأسئلة وبربي علاش هذه الأسئلة “.

بعد هذه الصدمة التي تملكتني وأوقفت عقلي عن التفكير لفترة وأدخلتني في حالة من الذهول طرحت على نفسي السؤال التالي لماذا لا يهتم صحافيونا بتاريخ بلادهم ؟ وكيف يمكن أن نفسر عدم معرفة الجيل الحاضر برموز بلادهم ؟ ولماذا لا يعرفون شيئا عن الأعلام الوطنيين من قادة الحركة الوطنية الذين نسميهم الآباء المؤسسين وبناة الدولة الحديثة من الذين يعود لهم الفضل رجالا ونساء في أن تصبح بلادنا مستقلة وأن ننعم نحن اليوم بالحرية ؟ وكيف نفهم هذا القحط المعرفي بالتاريخ المغربي وهذا الخواء الفكري وهذا التصحر الثقافي الذي عليه شريحة كبيرة من هؤلاء الصحفيين الذي نتباهى به ونفتخر ؟ وهل من تفسير لما يحصل لهذا الجيل الذي تعول عليه الدولة لقيادة البلاد في المستقبل ؟ وكيف نفسر الضعف المعرفي والعلمي والثقافي لمن وصفهم جلالة الملك محمد السادس برأسمال البلاد والثروة الحقيقية للمغرب ؟ فهل بمثل هذا الجيل وهذه العقول يمكن أن نطمئن على المستقبل ؟

لماذا لا يعرف  هؤلاء تاريخ بلادهم ويجهلون رموز الحركة الوطنية التي قادت حركة التحرر الوطني ؟ الإجابة الواضحة هي أن هناك اليوم مسؤولية كبرى تقع على عاتق الدولة وعلى مدرسة الاستقلال وعلى المنظومة التربوية وعلى الطريقة البيدغوجية المعتمدة في التدريس وهي طريقة اتضح اليوم أنها تنتج جيلا خاوي الجراب لا يعرف شيئا وهي طريقة لا تمكن الطالب والتلميذ من استيعاب الدروس وامتلاك المعرفة وهي منظومة تجعل التلميذ يتعلم المعلومة من أجل إجراء الامتحان لا غير فهدفه من درس التاريخ وكل المواد الأخرى هو لاستثمارها في الامتحان فقط ليقع فيما بعد رميها في سلة النسيان. إن المشكلة هي أن الأسلوب البيداغوجي المتبع لا يسمح للأستاذ أو المعلم بترسيخ ما يدرسه ويمنعه من التوسع والغوص أكثر لتثبيت المعلومة . اليوم المربي مطالب بإتمام المقررات المدرسية في آجالها المضبوطة وهذا يجعل التلميذ يمر على المواد والدروس والمحاور مر الكرام من دون استيعاب وفهم ويجعله في النهاية لا يعرف شيئا ولا يتذكر شيئا من كل الدروس التي تعلمها .

إن المشكلة اليوم هي أن التلميذ يدرس مادة التاريخ من أجل إجراء الامتحان والحصول على العدد ولا يدرسها كفكر وثقافة ومعرفة ضرورية يحتاجها الإنسان في حياته لتعلمه كيف يعيش حياة أفضل وأحسن وكيف يستفيد من التاريخ لبناء المستقبل ؟ فمن لم يكن التاريخ حاضرا في وجدانه وفكره وحياته لا يمكن له أن يضمن أن لا يغيب مستقبله. فمن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل. فمعرفة تاريخ البلاد هي التي تجعل الفرد مرتبطا بجذوره ومحبا لوطنه وقلقا على مستقبله وبهذا نفهم لماذا وكيف أن منسوب الوطنية مهزوز عند جيل اليوم من أجل ذلك أنهى الأديب المصري نجيب محفوظ روايته الشهيرة ” أولاد حارتنا ” بقوله إن ” آفة حارتنا النسيان ” وهو يقصد أن الآفة التي تبتلى بها الشعوب هي أن ينسى الناس تاريخ بلادهم لأن التاريخ هو ذاكرة الشعوب وهو المرآة التي تعكس أحداثه بكل آلامها وأفراحها ونجاحاتها وأخطائها.

إن المصيبة التي نحن غير واعين بها هي أن مستقبل الشعوب لا يصنع بأناس يجهلون تاريخهم وبأفراد مستخفين برموزهم المؤثرة فكيف نطلب من جيل أن يكون وطنيا ومفيدا ونافعا لبلاده ولا شيء يشده إلى وطنه ويجهل كيف بنى هذا الوطن وما هي التضحيات التي بذلت من أجل أن يصبح وطنا ؟

إن المصيبة اليوم تزداد عظمة وذهولا بعد الذي سمعناه من البعض الذين سئلوا عن تاريخ بلادهم وعن رموزهم الوطنية فوقفنا مع إجاباتهم على جهل كبير بالتاريخ وخواء أكبر بالثقافة التاريخية ووقفنا على معرفة لا مكان فيها لتاريخ البلاد ورموزه المؤثرين فأن لا يعرف أبناؤنا تاريخ دولة الموحدين أو المرابطين أو تاريخ السعديين وبني مرين أو تاريخ الدولة الادريسية أو لا يعرف ماذا حصل من أحداث في تاريخ الإسلام المبكر فهذا كله يمكن أن نفهمه ونجد له بعضا من الأعذار أما أن لا يعرف جيل اليوم ما حدث في التاريخ القريب للبلاد وأن لا يعرف إسم أول رئيس للحكومة في المغرب أو لا يعرف الرمز علال الفاسي  فهذا يعد طامة ومصيبة وفضيحة كبرى تتحمل الدولة والمدرسة والأسرة كامل المسؤولية في هذا الجهل بالتاريخ، ويتحمل المجلس الوطني للصحافة المسؤولية إذا منح لأمثال هؤلاء بطاقة الصحافة..

إن المشكلة التي أرهقتني هي أني حينما ناقشت هذا الموضوع مع ابني وحاورته في أهمية أن يعرف المرء تاريخ بلاده  أجابني إجابة أقعدتني فقال : يا أبت ” علاش نقراو في التاريخ ” ولماذا يدرسوننا هذه المادة وما فائدتها في حياتنا .. اليوم ماذا يهمني أن أعرف من يكون فلان او علان .. يا أبت اليوم العالم تحكمه معرفة أخرى وثقافة مختلفة هي التي علينا أن نمتلكها لنقود العالم وتكون لنا الريادة، أنظر إلى نوعية المعرفة التي تحكم  اليوم العالم ..

لا يمكن أن تجد فرنسياً يجهل تاريخ فرنسا وإبطالها بملوكها المصلحين والفاسدين ونابليون وحروبه، سواء التي انتصر فيها أو تلك التي أعقبتها فخسر فيها كل شيء، حتى حياته.. وكذلك لا يمكن أن تجد بريطانيا لا يعرف تاريخ بلاده وإمبراطورتيها التي لم تكن تغيب عنها الشمس، أو الواقع الحالي حيث “تعاقب” أوروبا بريطانيا “بطردها” من مشروعها الوحدوي، وتهدد ايرلندا بالانفصال، وتعيش إسكتلندا واقعها التقسيمي..

أما الروس فقد أعادوا الاعتبار إلى القياصرة، كما إلى لينين وستالين وخروتشوف وسائر بناة الاتحاد السوفياتي، من دون أن يكون ذلك على حساب الهوية والغد الأفضل كما يقودهم إليه بوتين.

التاريخ سياق متصل، لا يقطعه دكتاتور بقفزة في المجهول، ولا تطمسه مغامرة انقلابية وابتداع هوية لم يعرفها التاريخ البشري.

التاريخ بأهله. والجغرافيا بأهلها. فإذا ما أنكر البعض تاريخهم وابتدعوا لأنفسهم غيره، أسقطه التاريخ الحقيقي من حسابه.. أما الجغرافيا فإنها أمانة عند أهل الأرض: يحفظونها أو يتوهون عنها فتبقى ويسقطون منها.

يقول أحد الصحفيين: «إذا كانت الصحافة أن أخبر الناس بما يريدون معرفته، فما أفعله هو صحافة، وإذا كان  العكس ..أي الغباء … والجهل … والبلادة … الصحافة إلى الأسوأ !!!».

إنها التغيرات التي طرأت على وجه الإعلام الإخباري من قبل مغردين ليسوا بصحفيين، إضافة إلى ما يسمى اليوم بـ«المواطنون الصحفيون»، أناس لم نعرف عنهم أي شيء من قبل أصبحوا بين عشيّة وضحاها في قلب الصورة، يُتابَعون من قبل الملايين! هذا الأمر بحد ذاته أدخل إلى دائرة الضوء أسئلة مهمة عن ماهية الإعلام، وأين تقع المسؤولية؟ والأهم من ذلك من سيدفع ثمن أي خطأ في النقل أو التحليل أو النشر؟
من هو الصحفي؟ حتى وقت قريب كانت الإجابة واضحة: كل مَن يقوم بإنتاج مواد تحريرية، يتم نشرها أو بثها إلى الجمهور، سواء أكان ذلك ورقيا أو سمعيا أو بصريا، لكن اليوم نجد أن الأبواب قد فتحت على مصراعيها، وأصبح الداخل في هذا المجال أكثر من الخارج! فقد سمحت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة بانتقال المعلومة من أي شخص يبثّها، بغض النظر عن مهنته الأساسية أو انتمائه أو موقعه، إلى بقية أنحاء العالم خلال ثوانٍ معدودة! ولكن، من يقوم بذلك هل يمكن أن نعتبره صحفيا؟ أو أن الفعل بحد ذاته هو صحافة؟ إن قمتُ ببناء موقع شخصي، وبدأتُ بنشر أخبار ثقافية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو فنية دون أي خبرة سابقة أو خلفية تخصصية، هل يجعل ذلك مني صحفي؟ وإن غردتُ في «تويتر»، أو نشرتُ على «فيسبوك»، أو غيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع من قلب الحدث، مقاطع فورية، وربما صاحبتها بعض التعليقات، هل أستطيع أن أتقدم إلى نقابة الصحفيين، وأحصل على «كارت» صحفي؟

إن أي شخص لديه كفاءة ومهارات وعلوم ويرغب في العمل في الإعلام فأهلاً وسهلاً به، وأن يكون خريجاً متخصصاً، ولكن إذا كان عمله في هذا المجال من أجل تسلق هذه المهنة الشريفة والنبيلة لغايات أخرى مثل الظهور والاستعراض والنجومية الكاذبة، فهذا غير مقبول وينبغي وضع حد لمثل هؤلاء وإجبارهم على المغادرة وترك الفرصة والمجال لغيرهم، وعليهم أن يفهموا أن النجومية تولد من رحم احترام المتلقي، وتقديم مادة جيدة له مع التحلي بالمسؤولية الكاملة تجاهه.

 لا يبدو هناك مهنة متداولة في العصر و مستباحة كما هي مهنة الصحافة فكل من هب و دب أصبح يقول عن نفسه ( صحفي) و لغياب المساءلة تحولت هذه المهنة إلى حديقة بلا أسوار يدخلها من يشاء و يخرج منها من يشاء و في حين يتم تجريم من يمارس الهندسة أو الطب أو أي مهنة أخرى إذا لم يكن عضوا في نقابتها أو لا يحمل الشهادة العلمية التي تؤهله للعمل فيها يتم التغاضي عمن يمارسون هذه المهنة النبيلة بدون أن يكون لديهم أي وثيقة تؤهلهم للعمل فيها و السؤال هنا من هو الصحفي ؟

أعتقد أن وسائل الإعلام مطالبة بفتح الباب أمام الخريجين الجدد، والاهتمام بتدريبهم وتوجيههم وتوظيفهم إن كانت ثمة فرص لهم، حتى يكتسبوا الخبرة الحقيقية المطلوبة في هذا القطاع.

ولكن لنكن حذرين من دخلاء العمل الإعلامي الذين يتسلّقون «المهنة» بـحثـاً عن الشهرة وأشياء أخرى..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.