يعكف محمد زريزر على انهاء روايتة الجديدة.. التي تحمل عنوان: أرض الذهب “الأحمر الحزين” زهراء التازناختية

بانوراما القرية المغربية في رواية أرض “الذهب الأحمر الحزين” زهراء التازناختية

للروائي محمد زريزر

الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي العالمي والصحفي بوشعيب خلدون

كنت قد اعتدت رؤيتها جالسة هناك على قارعة الطريق، تطل بوجهها الشاحب وعكازها النحيل تطالع وجوه المارة، تداعب هذا وتصيح على ذاك وترسل نظراتها الفضولية بين الحين والآخر لجميلات القرية متنهدة متحسرة على شبابها الضائع في هذا المكان بلا زواج.

وكان العمة زهراء التازناختية علي قد وقع لها حادث وهي في ريعان الشباب حينما كانت تعمل في ورشة للخياطة ضمن عمال مهاجرين الذين كانوا ينزحون من القرية والقرى المجاورة للعمل في تلك المنطقة المترامية الأطراف الواقعة في مدينة الدار البيضاء، وهناك وقع عليها ما وقع فحطم أجزاء كبيرة من حياتها، فبقيت الشابة البالغة من العمر عشرين عاماً لا تقوى على العمل وأمضت بقية حياتها تجر عمرها الكئيب وجسمها المتهاوي على عكازها النحيل أكثر من خمسين عاما أخرى بعد ما وقع لها.

وعندما كتبت علينا الأيام الفراق بسفري إلى مدينة تالوين كنت أراها دائماً في الإجازات السنوية تجلس في المكان نفسه وعندما اقبل عليها للسلام تنهض جاهدة متكئة على عكازها الذي قد خارت قواها وتحولت مع الزمن إلى عصا بالية يعلوها السواد والتشقق.. أهلا ابن حبيبي.. ثم تحضنني بقوة هامسة في أذني: أين الأحمر؟ تقصد  الزعفران.. وكنت قد اعتدت أن أشتريه منها عند رؤيتها في كل إجازة.. وكانت كعادتها تجلس هناك على قارعة الطريق وسط القرية تواصل ما تعودنا عليه من حكايات لها معنى ومغزى للجيل الجديد.. إنها حكايات القرية والقرى الأخرى المجاورة.

حكايات عن أيام الصبا لا تخلو من الدعابة والخيال المحبب أحياناً، فجلست أستعيد ما خلا من الأيام عندما كنت في المرحلة الثانوية وبعدها الجامعية فقد نجحت هذه المرأة في اختراق أدمغتنا ومشاعرنا وطارت بنا إلى عالم من الواقع والخيال في آن واحد، ولكن هذه المرة شعرت أن وجهها قد شاخ والتجاعيد قد خطت على جبينها نذر الموت القادم من بعيد، فتألمت كثيراً ونهضت مودعا لمواصلة رحلة السفر التي يبدو أنها لن تنتهي هي الأخرى إلا بظهور تجاعيد العمة زهراء التزناختية وليتني أدركها في قريتي.

والعمة زهراء التزناختية هي رمز للشابات والنساء والشيوخ في القرية المغربية وليس هو موضوعنا هنا.

ولكن هي رمز لما كان في قريتنا المغربية من الحب والألفة والمجاهدة في الحصول على لقمة العيش الحلال وسط عمال المجلوبين عنوة من هنا وهناك للحصول على دراهم معدودات تكفيهم لسد رمق الجوع والعطش في صيف غشت الحارق.

وعلى مر السنين والأيام كانت العمة زهراء التزناختية (الرمز) وقريتي التاوناتية التابعة لاقليم تاونات(الرمز أيضاً) هي مصدر إلهام العديد من الأدباء والشعراء في المغرب فمنها استلهموا رواياتهم وقصصهم وأشعارهم ولوحاتهم الفنية كما جاء المسرح بعد ذلك ليستلهم من القرية المغربية أهم أعماله ومن شخصيات القرية المغربية الفاعلة كما هو الحال بالعمة زهراء التازناختية تقاسيم العلاقات الاجتماعية في مجتمع صغير مطحون يعاني من الفقر والبطالة والجهل محصوراً في أفكار متوارثة عقيمة تنحصر في العادات والتقاليد غير المحببة والثأر والسحر والشعوذة والدجل بكل فنونه وصنوفه، وتكاد المدينة تقاسم القرية المغربية في بعض هذه الممارسات والطقوس كما يظهر جلياً الصراع المحتدم بين النظرة التقليدية للتداوي من الأمراض والاعتماد على الخزعبلات والسحر والشعوذة، وبين الطريقة العلمية الجديدة والمستحدثة التي جاء بها الطبيب القادم من فرنسا بعد دراسته الطب هناك ومقاومته للجهل المسيطر على أذهان أهل الحي، وفي هذا العمل الروائي المبكر، أراد محمد زريزر أن يقول إن تغيير المجتمعات لا يأتي فجأة بل تدريجياً.

تتناول قصة أرض الذهب الأحمر بكل تلقائيتها وبساطتها في التعامل اليومي حتى في المشاعر التي تربط الفتيات بشباب القرية، فهي الأخرى تأتي بسيطة من دون تكلف، وهو ما حدث بين زهراء وعلي.. إنها قصة الصراع بين التخلف والتحضر وفرض سياسة القسر على الفتاة الريفية في كل شيء حتى في قضية الزواج التي تعد من أدق خصوصيات الفتاة في وقت كانت إذا شربت كوبا من الشاي يعد هذا خروجا على قواعد الأدب.

وأنجبت القرية المغربية العديد من الأدباء المخلصين الذين لم يتخلوا عنها يوماً من الأيام بعد رحيلهم إلى المدينة، بل كرسوا جل اهتمامهم في كتابة واقع قراهم المرير وما تشهده من تخلف وفقر يحتاجان إلى إصلاح.

ولأن محمد زريزر عاش ردحا من الزمن بين أحضان الريف هناك في قبيلة زناتة وفي كنف أبيه العامل البسيط الفلاح المغلوب على أمره وأمه ابنة عمه التي تسكن في القرية المجاورة، فقد مكنّه هذا كثيراً في الوصول إلى مكنون الشخصية القروية، موضحاً أسباب الجهل الذي تعاني منه هذه الشخصية بسبب الإهمال وقلة التعليم بتجاهل المؤسسة التعليمية لقرى المغربية قبل وبعد الاستقلال والمستوى الاقتصادي المتدني لهذا المجتمع الذي انعكس على بقية حياته..

وفي القرية لا مكان لمن لا شرف له في مجتمع القرية.. الفتاة التي تخطئ تموت والرجل الذي يبيع أرضه مهما كان السبب يتجاهله المجتمع القروي وتطارده فضيحة تتجاوز حدود القرية إلى القرى الأخرى، فلا شيء تملكه القرية سوى الشرف والأرض، وإذا فقد أحدهما أصيب الشخص بعار كبير ويخرج أطفال القرية يطاردون الشخص الذي يبيع أرضه ليزفوه قائلين:

أحمد باع أرضه يا أولاد .. شوفوا طوله وعرضه يا أولاد

وتتجلى القرية وتحتل مكانا مرموقا في جميع أعمال محمد زريزر القصصية والروائية من دون غيره من الأدباء الشباب فقد سخر محمد زريزر كل قواه الأدبية من أجل تقديم ما يحدث بكل دقة وشفافية وأمانة ولِمَ لا وهو القروي الذي ولد في قرية، وعاش كل مآسي القرية ولم يكن يبرحها كثيراً إلا ويعود إليها مسرعاً لأنها مصدر إلهامه الكبير..

يخوض محمد زريزر تجربة جديدة ومستحدثة في القرية المغربية وتتمثل في وصول بعثة من وزارة الفلاحة في القرية الصغيرة المحدودة التي عاشت الأمل والطموح وراح أهلها يفكرون ويعملون خيالهم في الواقع الجديد إذا ما أصبحت معامل بجوار حقول الذهب الأحمر في أرض أحدهم.. إنها الرفاهية والعز والجاه الذي ينتظرهم وتوقفت الحياة في القرية وانصب التركيز على الأمل الجديد الذي سرعان ما تبدد أمام أعينهم بعدما أعلن المهندس الزراعي أن زرع الذهب الأحمر ممكن وأن الأرض صالحة لزرعه لكن كلفة إنتاجه وتسويقه كبيرة، وبذلك يكون غير مجد، وهنا نجد محمد زريزر يؤكد أن الجري وراء الأوهام والسراب غير نافع للقرية وعلينا أن نعيش الواقع بكل قسوته وتضاريسه الصعبة.

وفي أيام الجفاف يوظّف محمد زريزر نصه الأدبي بكل حكمة واقتدار إلى الفارق الكبير بين القرية والمدينة بين القرية والتي انتقلت زهراء التازناختية للعمل بها وبين مدينتي الدارالبيضاء ومراكش التي كانت تعيش فيها البطلة من قبل، وفي هذا العمل الأدبي صور محمد زريزر نبض القرية الحقيقي وتلك المشاعر الدفينة لدى زهراء التازناختية الوافدة عليها والتي تشعر في موسم الجفاف بنوع من القهر والظلم الاجتماعي الذي تعيشه القرية والمفروض عليها عندما يأتيها موسم الجفاف ومعه تجف المشاعر وتبور الأرض وتخور قوى الفلاحين البائسين الباحثين عن أرزاقهم وسط الأراضي االصحراوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.