المعطي منجب.. بَيْنَ مِطْرَقَة تبييض الأموال و سِّنْدان تسويد حقوق الإنسان

في انتظار أن يقول القضاء كلمته الأخيرة في شبهات الفساد وغسل الأموال المنسوبة للمعطي منجب، فإن هذا الأخير يجد نفسه محاطا بمفارقة قانونية وحقوقية غريبة، وهي إمكانية تورطه في شبهة تبييض الأموال من جهة، وتسويد سجلات حقوق الإنسان من جهة ثانية.

كان لافتا للانتباه حجم التضليل والتطبيل الذي مارسه المعطي منجب خلال مروره الإعلامي على  قناة فرانس 24، كما كان مفضوحا أيضا انعطاف القناة بعيدا عن المهنية والموضوعية، وذلك عندما ادعت رغبتها في تحقيق التوازن الإعلامي بالفم وليس بالفعل، في آخر لحظة من نشرتها المسائية أول أمس الثلاثاء.

لقد ادعى المعطي منجب أن “الآلاف من المقالات التشهيرية تناولت حياته الشخصية منذ سنة 2015″، وكرّر المعني بالأمر لفظة “الآلاف” مرتين للإيحاء بكثرة هذه المقالات المزعومة. وبإجراء عملية حسابية بسيطة، يظهر بأن المعطي منجب كان يكذب، بل كان موغلا في التدليس وتحريف الحقائق.  فإذا استندنا إلى منطوق كلام المعطي منجب، فإن لفظة “الآلاف” تحتمل أن تكون مائة ألف وقد تكون في حدود عشرة ألف أو ما يزيد عنها أو يقل دون ذلك بقليل. ولنكن منصفين ونأخذ رقم عشرة آلاف فقط، فإن المعدل اليومي للمقالات المنشورة حسب زعم المعطي منجب يكون حينئذ في حدود خمسة مقالات ونصف على امتداد 1825 يوما التي هي مجموع أيام خمس سنوات منذ سنة 2015.

فهل يستساغ عقلا ومنطقا أن تخصص الصحافة الورقية والإلكترونية المغربية، حسب تصريحات المعطي منجب دائما، خمسة مقالات ونصف كل يوم للحديث عن وضعية المعني بالأمر وحياته الشخصية، دون كلل أو ملل، بما في ذلك أيام العطل الأسبوعية والأعياد الدينية والوطنية وفي شهر رمضان وعطلة الصيف وأعياد الميلاد؟  فمن يكون المعطي منجب ليشغل اهتمام المغاربة كل يوم في ليلهم وضحاهم؟ وماذا يشكل المعطي منجب من فائدة أو تهديد للمغاربة لتفرد له الصحافة كل هذا الكم من المداد المادي والافتراضي؟ قد يقول قائل هنا، إنها فقط صيغة من صيغ المبالغة، ولا ينبغي الوقوف عند المنطوق الحرفي لكلام المعطي منجب. وقتها سيجيب المجيب بأن كل كلام المعني بالأمر عن المظلومية وعن الدفاع عن حقوق الإنسان هو عبارة عن مسألة مجازية تخضع بدورها لصيغ المبالغة والتجاوز الكلامي، الذي لا يعتد به ولا يرتب أثرا قانونيا أو ماديا.

أيضا، ادعى المعطي منجب بأن سيارات الشرطة ترابط وترابض أمام منزل شقيقته بمدينة ابن سليمان، وفي ذلك مدعاة للشبهة والاستهداف حسب قوله. وهذا الكلام السطحي لا يفترض أن يصدر عن شخص يقدم نفسه حقوقيا وأكاديميا. لأن سيارات الأمن المعلومة بطلائها المميز إن وجدت، فإنها مؤشر على الإحساس بالأمن والطمأنينة وليس الشبهة والاستهداف، ويمكنه أن يستطلع في هذا الصدد آراء المغاربة وساكنة ابن سليمان حول ماذا يعني وجود سيارات الأمن بحي مأهول بالسكان.

إنها فقط زفرات الكذابين! مثلما كذب المعطي منجب ذات يوم عندما ادعى خوله في الإضراب عن الطعام ووجد وقتها في حالة تلبس داخل “سناك” شعبي يتناول وجبة خفيفة الثمن كثيرة الدسم برفقة صحفي طاردته شبهة الإشادة بالإرهاب سابقا. أو عندما كذب المعطي منجب على أحد الحقوقيين الأوروبيين وقال له إنني معدم ولا أكاد أملك ثمن تذكرة النقل العمومي! واليوم بات يملك ما يقتني به النقل العمومي كاملا وليس فقط تذكرة السفر، حسب ما تكشفه الأملاك والأرصدة التي يتداولها نشطاء المنصات التواصلية حول ممتلكات المعطي منجب، الذي من المفروض أنه موظف ينتظر راتبه في آخر كل شهر.

والمؤسف أيضا، أن المعطي منجب لم يكتف فقط بتخوين وتجريح رجال القضاء والأمن والعاملين بالمؤسسات المصرفية والمالية والمحافظات العقارية، عندما اتهمهم بالتواطؤ جميعا ضد مصالحه، بل إنه تمادى في استيهاماته وقام بتخوين أفراد الشعب المغربي! فقد زعم أن مالك مقهى رفض استقباله في محله العمومي يوم الأحد المنصرم بعد حملة التشهير التي استهدفته. وهنا نتساءل مع المعطي منجب: ما هي مصلحة مواطن عادي في أن يرفض تقديم “قهوة كحلة أو نص نص” لزبون؟ ولماذا يستنكف هذا المواطن عن تصريف بضاعته الموجهة أصلا للترويج؟ اللهم إلا إذا كان المعطي منجب مشهود له شعبيا بعدم البراءة المالية. أي أنه لا يسدد مقابل ما يتناوله في المقهى المزعومة.  وهذا أيضا ضرب من ضروب الفساد المالي.

ويبقى الجديد هذه المرة في التصريحات الإعلامية الأخيرة للمعطي منجب هي اعترافاته الجزئية بالتحوز المالي والعقاري، إذ انتقل من الإنكار القطعي والممنهج في مرحلة سابقة إلى الاعتراف الراهن بالحيازة والتملك، مسوغا ذلك بعائداته المالية المتأتية من عمله كأستاذ جامعي. وهنا يحق للرأي العام أن يسأل المعطي منجب: هل أجرة أستاذ في الجامعة المغربية أو حتى الفرنسية كفيلة بتمويل كل تلك المقتنيات من الرسوم العقارية المتداولة بين الفايسبوكيين المغاربة؟ والجواب على هذا السؤال لازم وملزم للمعطي منجب من باب الحق في المعلومة، ومن منظور إبراء الذمة باعتباره يقدم نفسه حقوقيا، ومن زاوية أن عبء الإثبات في كشف مشروعية الأموال موضوع شبهة غسل الأموال تقع على المشتبه فيه وليس على الدولة، بدليل الاجتهادات القضائية الوطنية والدولية، وذلك خلافا لما زعمه المعطي منجب في تصريحه الإعلامي الأخير الذي طالب فيه الدولة بإثبات عدم مشروعية أمواله وعقاراته الكثيرة.

وفي الأخير، قد يبدو مبعثا للتناقض الصارخ، أن يطالب المعطي منجب بمحاكمة عادلة وفي المقابل يهدد بالإضراب عن الطعام لوقف إجراءات البحث والمتابعة عند الاقتضاء. فالمنطق يفرض عدم الجمع في آن واحد بين التهديد والوعيد ورفض إجراءات القضاء والمطالبة بالمحاكمة العادلة. فإما أن تكون مواطنا خاضعا لنفس الواجبات ومتمتعا بنفس الحقوق، أو أن تشرّع لنفسك عدالة خاصة بك. لكن الراجح بخصوص هذه التهديدات، أن المعطي منجب فضّل نبرة التصعيد لأنه يعرف جيدا أن شقيقته سوف تكشف المستور، لأنها أمية وغير مسيسة كما قال، وهي بهذه المناقب ستقول الحقيقة المرة لشقيقها، وهي أنها أصبحت بقدرة قادر تملك العقارات وحصص مساهمة في مركز ابن رشد رغم أنها ربة بيت ليس لها إلا مدخول زوجها ” الجبّاص” وكذا تحويلات شقيقها المعطي الواردة من الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.