خارج الحدود

سقوط أقنعة نظام العسكر الجزائري.. الانصياع لمفاوضات مدريد يكتب نهاية الدبلوماسية الاستعراضية

سقوط أقنعة نظام العسكر الجزائري.. الانصياع لمفاوضات مدريد يكتب نهاية الدبلوماسية الاستعراضية

Loading

سقطت أقنعة المناورة وانكشفت عورات الدبلوماسية المتنطعة التي ظل النظام العسكري الجزائري يقتات عليها لعقود، حيث وجد قصر المرادية نفسه اليوم مرغما على الانصياع للإرادة الدولية والجلوس إلى طاولة المفاوضات في العاصمة الإسبانية مدريد حول قضية الصحراء المغربية، وهذا التراجع المذل يأتي ليضع حدا لسنوات من التعنت والرفض القاطع للمشاركة في الموائد المستديرة، ويؤكد أن سياسة الهروب إلى الأمام التي نهجتها الجزائر قد اصطدمت بصخرة الواقعية السياسية والضغوط الأمريكية الصارمة التي لم تترك للنظام مجالا للمناورة أو الاختباء خلف شعارات اللاحياد الزائفة.

وفي هذا السياق، تعكس جولة مدريد الدبلوماسية، فشلا ذريعا للمقاربة الجزائرية القائمة على تأجيج النزاع المفتعل، إذ لم تعد واشنطن ومجلس الأمن يقبلان بدور المتفرج الذي حاولت الجزائر تسويقه للعالم، بل جاء القرار الأممي رقم 2797 ليحاصر النظام في زاوية ضيقة ويفرض عليه الحضور كطرف أصيل ومباشر في النزاع، وهذا الحضور الذي جرى تحت إشراف مباشر من ممثلي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يثبت أن زمن الابتزاز الدبلوماسي قد ولى، وأن القوى العظمى باتت تدرك جيدا أن مفتاح الحل النهائي يكمن في إقرار الجزائر بمسؤوليتها التاريخية والسياسية في هذا الملف.

ومن جهة أخرى، فقد تجرع النظام الجزائري مرارة الهزيمة الدبلوماسية وهو يشاهد وفده برئاسة أحمد عطاف يجلس بمقر السفارة الأمريكية بمدريد، أمام القوى الدولية التي حسمت أمرها بكون مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الإطار الوحيد والواقعي لأي تسوية مستقبلية، وهذا الانصياع يكشف هشاشة الخطاب الداخلي للجارة الشرقية التي حاولت دائما إيهام شعبها بصلابة مواقفها، بينما تعكس التحركات خلف الكواليس ارتباكا واضحا وخضوعا تاما لموازين القوى الجديدة التي تضع السيادة المغربية فوق كل اعتبار.

وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن النظام العسكري لا يملك استراتيجية بعيدة المدى بقدر ما يملك رغبة في العرقلة والتشويش، فبعد أن سخر طائرات الرئاسة لنقل قادة الانفصال إلى واشنطن في محاولة يائسة لاستجداء عطف الإدارة الأمريكية، تلقى الصفعة الأقوى بزيارة مسعد بولس إلى الجزائر، والتي حملت رسائل واضحة لا تقبل التأويل بضرورة إنهاء المسرحية والمشاركة الفعلية في العملية السياسية، هذا المسار التنازلي يؤكد أن الدبلوماسية الجزائرية تعيش حالة من العجز البنيوي الذي يجعلها تبني مواقفها على أوهام الماضي وتصطدم بحقائق الحاضر.

يمثل اجتماع مدريد انتصارا للرؤية المغربية المتزنة التي ظلت تدعو دائما إلى الوضوح والمسؤولية، فالمشاركة الجزائرية اليوم تنهي أسطورة الدولة المراقبة وتكرس وضعية الطرف الرئيسي المطالب بتقديم تنازلات تنهي هذا النزاع الإقليمي، كما أن قبول الجزائر بالجلوس بجانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا وتحت الرعاية الأمريكية المباشرة يعد اعترافا ضمنيا بفشل كافة محاولات عزل المغرب، بل ويؤكد أن المملكة المغربية نجحت في فرض منطقها القانوني والتاريخي على الساحة الدولية.

ويتضح للمراقبين أن سلوك النظام الجزائري بات يتسم بسمة ثابتة وهي التصعيد الخطابي في العلن وتقديم التنازلات المهينة في الغرف المغلقة، فالمواقف المتشددة التي تبناها عطاف وتبون في السنوات الأخيرة لم تصمد أمام الحزم الأمريكي والوضوح الذي أبداه مايكل والتز وسائر المفاوضين الدوليين، وهذا التذبذب الدبلوماسي يفقد الجزائر ما تبقى من مصداقيتها ويجعلها في موقف التابع الذي ينتظر الأوامر ليغير بوصلته، مما يعزز صورة نظام يضحي بمصالح شعبه وثرواته من أجل قضية خاسرة يدرك الجميع أنها وصلت إلى محطتها الأخيرة.

هذا ويظل المغرب ثابتا في المعادلة الصعبة بفضل دبلوماسية ملكية هادئة وفعالة، بينما يتخبط خصومه في شباك تناقضاتهم التي لا تنتهي، فعودة الجزائر المرغمة إلى طاولة المفاوضات هي بداية النهاية لمشروع الانفصال الذي ترعاه، وهي اعتراف صريح بأن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاوزها ونكرانها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى