مجتمع

عبد اللطيف حموشي في وثائقي France 5.. بين السردية المخدومة والحقيقة الغائبة

عبد اللطيف حموشي في وثائقي France 5.. بين السردية المخدومة والحقيقة الغائبة

Loading

الأنـــــباء : المصدر : برلمان.كوم – بقلم طارق القاسمي (بوغطاط المغربي)

لم يكن الوثائقي الذي بثته قناة France 5 يوم 5 ابريل 2026 عن العلاقات الفرنسية المغربية مجرد عمل يستعرض محطات التوتر والتقارب بين البلدين. فمنذ بدايته، كان واضحا أن هناك خيطا ناظما يحكم طريقة السرد واختيار الشهادات وزوايا المعالجة.

كلما تعلق الأمر بملف يسمح بإبراز المغرب كدولة تدافع عن مصالحها وكرامتها وسيادتها، جرى دفع المشاهد نحو قراءة معاكسة، كأن الأمر لا يتعلق بدولة تحمي صورتها ومؤسساتها، بل بسلطة تمارس الضغط وتفرض منطقها بالابتزاز. هذا ما ظهر في مقاربة الفيلم لقضية الصحراء، وملف بيغاسوس، وموضوع الصحافيين، ثم ملف عبد اللطيف حموشي، حيث بدا أن الغاية لم تكن فقط رواية الوقائع، بل تركيب انطباع عام عن مغرب يربح دائما لأنه يخيف أو يضغط أو يبتز.

غير أن ما لم يستطع الوثائقي إخفاءه بالكامل هو أن هذا المغرب نفسه لم يكن يقبل أن يعامل كطرف ضعيف أو تابع أو قابل للإهانة. وهنا بالضبط يبرز الدور المركزي للملك محمد السادس. فواحدة من أهم التحولات التي عرفتها العلاقة المغربية الفرنسية خلال العقدين الأخيرين هي أن الرباط صارت، تحت قيادة الملك، أكثر صرامة في الدفاع عن كرامتها المؤسسية، وأكثر وضوحا في رفض أي مساس برموزها أو بسيادتها أو بسمعتها الدولية.

ما حاول الوثائقي تقديمه على أنه حساسية أو رد فعل مفرط يمكن قراءته، بشكل أكثر مهنية وأقل تحيزا، باعتباره سلوك دولة يقودها ملك لم يكن مستعدا لأن يطلب من بلاده التساهل مع الإهانة أو ابتلاع التشهير تحت أي ظرف. هذه ليست نزعة ظرفية، بل خيار حكم. ولذلك كان لافتا أن الوثائقي، حتى عندما عرض لحظات تكشف صلابة المغرب في الدفاع عن نفسه، أعاد ترميزها على نحو سلبي، كأن الكرامة الوطنية نفسها أصبحت تهمة.

ضمن هذا البناء العام، خصص الوثائقي مساحة لملف عبد اللطيف حموشي، لكنه لم يتعامل معه بمنطق التوثيق الموضوعي الذي ينتصر للحقيقة، بل بمنطق الدعاية السلبية. جرى تضخيم لحظة محاولة توجيه الاستدعاء والأزمة الدبلوماسية التي أعقبتها، بينما جرى تقليص أو تهميش عناصر أساسية كان يفترض أن تكون في صلب أي معالجة نزيهة، من بينها طبيعة الشكايات الأصلية، وهوية أصحابها وخلفياتهم القضائية، وما قاله محامو الدفاع عن المغرب، والمآل النهائي لهذه المسارات أمام القضاء الفرنسي نفسه. هنا لا يتعلق الأمر بتفصيل ناقص، بل بجوهر الخلل في الفيلم. لقد جرى تقديم الاتهام بجرعة عالية من الدراما، ثم التعامل مع ما يضعفه أو يفككه بقدر كبير من الخفّة.

أول ما يجب تثبيته بوضوح هو أن ملف جمعية ACAT يرتبط بشخصين هما عادل لمطالسي والنعمة أسفاري. وهذا ليس أمرا شكليا، لأن إعادة بناء حقيقة الملف تقتضي أن يعرف القارئ من هما أصلا، وفي أي قضايا أدينا، قبل أن يتحولا لاحقا إلى طرفين في شكايات كيدية استعملت سياسيا وإعلاميا ضد المغرب.

عادل لمطالسي، وفق المعطيات التي رافقت أصل القضية في الصحافة الفرنسية نفسها، كان قد أدين في قضية حق عام مرتبطة بحيازة والاتجار في المخدرات. أما النعمة أسفاري، فقد كان من بين المدانين في ملف أكديم إيزيك، وهي القضية التي ارتبطت بأحداث دامية أسفرت عن مقتل أحد عشر عنصرا من القوات العمومية المغربية.

وتورد مواد مرجعية دولية، حتى تلك التي انتقدت المحاكمة، أن أسفاري أدين بتهم من قبيل تكوين عصابة إجرامية والتواطؤ في أعمال عنف ضد عناصر القوات العمومية أفضت إلى الموت مع سبق القصد مع التمثيل بالجثث، وصدر في حقه حكم بالسجن ثلاثين سنة. هذا المعطى أساسي، لأن الوثائقي حين استحضر ملف حموشي تجاهل أن الشكايات التي بنيت عليها لحظة 2014 لم تأت من فراغ ولا من خارج ملفات جنائية ثقيلة، بل من أشخاص كانت لهم أوضاع قضائية محددة وخلفيات معروفة.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أن مجرد الإدانة في قضية ما تسقط تلقائيا أي ادعاء لاحق بالتعذيب أو سوء المعاملة. لكن ما يعنيه، بكل بساطة، هو أن أي عمل مهني يحترم عقل المشاهد لا يملك الحق في حذف هذا السياق. لأن حذف طبيعة الجرائم الأصلية وإعادة تقديم أصحابها فقط كضحايا سردية واحدة هو في حد ذاته شكل من أشكال التوجيه. وهذا بالضبط ما وقع.

فقد اختار الوثائقي أن يسرد لحظة الشكاية وما تبعها من أزمة، من دون أن يمنح المشاهد الصورة الكاملة عن الشخصين اللذين ارتبط بهما ملفACAT، ولا عن وزن القضايا التي كانا متابعين أو مدانين فيها. بهذه الطريقة، صار من السهل تحويل مشهد قانوني معقد إلى قصة بسيطة فيها سلطة من جهة وضحايا من جهة ثانية. والحال أن الواقع لم يكن بهذه البداهة التي أرادها الفيلم.

العنصر الثاني الذي كان يجب أن يحضر بقوة في الوثائقي وغاب كليا هو ما قاله محامو الدفاع عن المغرب الذين كانوا على اطلاع مباشر على بعض هذه الملفات. ففي الحوار الذي أدلى به المحامي رالف بوصييه لموقع TelQuel سنة 2015، أوضح أن الاستدعاء الذي فجر الأزمة كان، بحسب العناصر المتوفرة له حينها، مرتبطا بملفACAT، وأن الأمر تعلق باستدعاء من أجل الاستماع إلى عبد اللطيف حموشي بصفته شاهدا.

والأهم أنه صرح بوضوح بأنه لا توجد أي أدلة على تورط حموشي، وأن ما كان مطروحا في الملف لم يتجاوز مستوى الادعاءات الصادرة عن المشتكين. كما أشار إلى أن المعلومات المقدمة بشأن وجود حموشي على التراب الفرنسي لم تكن دقيقة، وأنه لم يكن موجودا أصلا فوق التراب الفرنسي في اللحظة المعنية

هذه التصريحات لا يمكن اعتبارها مجرد رواية مقابلة تذكر على الهامش. إنها جزء من الحقيقة الإجرائية للملف. وعندما تقصى من الوثائقي، بينما تفسح المساحة لشهادات اتهامية فقط، يصبح من المشروع تماما القول إن العمل لم يكن يسعى إلى عرض الوقائع بقدر ما كان يسعى إلى تثبيت انطباع محدد سلفا.

وإذا كان الوثائقي قد بالغ في تضخيم لحظة الاتهام، فإنه قلص، بالمقابل، من أهمية المآلات القانونية اللاحقة. وهذه نقطة أساسية في حالة النعمة أسفاري. فالمعطيات المنشورة لاحقا تظهر أن مساره القضائي في فرنسا لم يؤد إلى تكريس الصورة التي حاولت بعض الأوساط تثبيتها سنة 2014. فقد تبين لاحقا إلى أن شكواه في فرنسا انتهت إلى الحفظ بعد عدم القبول أمام محكمة النقض الفرنسية.

هذا المعطى مهم جدا لأنه يسقط الحيلة السردية التي يقوم عليها الفيلم. فحين تحول لحظة الاستدعاء إلى ذروة أخلاقية وسياسية، ثم تمر مرورا عابرا على عدم القبول أو الحفظ، فإنك لا تقدم الحقيقة، بل تقدم نصفها فقط، والنصف الذي يخدم سرديتك المشبوهة. والواقع أن ملف أسفاري، مثل غيره، لم يكن قصة مفتوحة في اتجاه واحد كما حاول الوثائقي الإيحاء، بل مسارا قانونيا متنازعا عليه انتهى، في أحد وجوهه الفرنسية البارزة، إلى عدم القبول.

أما بالنسبة لزكرياء مومني، فمن الضروري هنا توضيح أمر منهجي حتى لا يختلط ما ورد في الوثائقي بما نضيفه نحن لتوسيع الصورة. الوثائقي لم يذكر مومني. لكن استحضار حالته يبقى مفيدا، لا باعتباره جزءا مما عرضه الفيلم، بل باعتباره جزءا من المناخ الاتهامي الأوسع الذي أحاط باسم عبد اللطيف حموشي في فرنسا خلال تلك السنوات. ومومني مهم هنا لسببين. أولا، لأنه هو الآخر بنى رواية تعذيب استعملت بقوة في الإعلام والسياسة والفضاء الحقوقي. وثانيا، لأن هذا المسار نفسه انتهى إلى معطيات قضائية ووقائعية كشفت زيف الادعاءات، ولا يجوز تجاهلها عند قراءة البيئة العامة التي نشأت فيها هذه السرديات.

في هذه الحالة، لا بد من التذكير بأن مومني كان متابعا في المغرب في ملف نصب واحتيال أدين على إثره بالسجن، قبل أن يوجه بخط يده طلب عفو ملكي بمناسبة ذكرى عيد المولد النبوي الشريف. ثم إن مساره لم يتوقف عند حدود الشكاية، بل ارتبط أيضا بخيط واضح من المساومة المالية. فقد تم التأكيد رسميا، في حق رد بث على قناة TV5 Monde سنة 2015، على أن مومني طالب بمبلغ 4.9 ملايين يورو لتمويل مشروع قاعة رياضية في باريس في محاولة ابتزاز رخيصة.

وبعد سنوات، عادت هذه القضية إلى الواجهة مع معطيات مصورة وتحقيقات جديدة أعادت كشف محاولة الابتزاز المالي تجاه الدولة المغربية. هذا لا نأتي به هنا لنقول إن ملف ACAT هو ملف مومني، أو إن الوثائقي تطرق إليه ثم أخطأ فيه، بل لنكشف أن المناخ الذي استعمل فيه اسم حموشي في فرنسا لم يكن مناخا نقيا أو بريئا أو خاليا من محاولات الاستثمار والمساومة والخلط بين الحقوقي والمالي والسياسي.

غير أن أكثر ما ينبغي التوقف عنده في حالة مومني هو أن الشكاية التي تقدم بها في فرنسا ضد عبد اللطيف حموشي انتهت بدورها إلى الحفظ دون متابعة. وهذه النقطة لا يجوز المرور عليها بخفة، لأن جزءا من المناخ الذي أحاط بالملف بني أصلا على إيهام الرأي العام بأن مجرد فتح المسار القضائي في فرنسا كان يعني وجود ملف متماسك وثقيل ضد المسؤول الأمني المغربي. ما وقع عمليا هو العكس. فبعد إحالة الوقائع المزعومة إلى القضاء المغربي، ونقل نتائج التحقيق إلى باريس، تقرر حفظ الشكاية. وهذا المعطى وحده كاف لإظهار أن البناء الاتهامي الذي رافق مومني إعلاميا وحقوقيا لم يصمد، في النهاية، أمام المسار القضائي كما حاول مروجو القضية تصويره.

صحيح أن بعض الأطراف حاولت لاحقا الترويج لفكرة أن الحفظ كان مجرد نتيجة شكلية مرتبطة بعدم ثبوت وجود حموشي فوق التراب الفرنسي، لكن هذا التقديم مبتور وموجه. لأن الملف لم يغلق في فراغ، بل جاء بعد تبادل قضائي وتحقيقات ومعطيات أحيلت من الرباط إلى باريس.

لذلك فإن استعمال صيغة توحي بأن شكاية مومني كانت قوية في الجوهر لكنها سقطت فقط لاعتبارات تقنية، هو في حد ذاته استمرار للسردية الدعائية نفسها التي حاولت تضخيم الملف منذ البداية. والأدق هو القول إن هذه الشكاية، مثل غيرها، انتهت إلى الحفظ، وأن هذا المآل ينسف محاولة تقديمها اليوم كقرينة أخلاقية أو سياسية ثابتة ضد حموشي أو ضد الدولة المغربية.

وتزداد أهمية استحضار حالة مومني عندما نصل إلى النقطة التي يصعب تجاوزها، وهي أن الرجل تكبد ثلاث إدانات بالتشهير في فرنسا في نزاعاته مع منير الماجيدي السكرتير الخاص للملك. أول إدانة صدرت سنة 2016، ثم أعقبتها إدانة ثانية، قبل أن تصدر إدانة ثالثة سنة 2017 بسبب تصريحات أعاد فيها اتهام الماجيدي بتهديده بالقتل خلال ندوة في البرلمان الأوروبي.

هذا ليس مجرد تفصيل جانبي. عندما يدان شخص ثلاث مرات بالتشهير في فرنسا بسبب اتهامات من هذا النوع، فإن ذلك يفرض، على الأقل، الحذر الشديد في التعاطي مع الرواية التي روجها عن الملف المغربي. ومن هنا تأتي فائدته في هذا المقال، لأنه يسمح بفهم كيف تشكلت، في الفضاء الفرنسي، سردية اتهامية أوسع جرى فيها خلط مزاعم التعذيب بالمظلومية الإعلامية وبالاستثمار السياسي والشخصي.

إن ما يكشفه هذا الملف هو أن الوثائقي لم يكن يفتقر إلى الوقائع بقدر ما كان يفتقر إلى الإنصاف في ترتيبها. اختار أن يضخم لحظة الاتهام، وأن يهمش طبيعة الملفات الأصلية للمشتكين، وأن يقصي أصوات الدفاع عن المغرب، وأن يمر سريعا على المآلات القضائية التي لا تناسب الحبكة التي بناها.

وبهذا، فإن فيلم France 5 لم يقدم قراءة متوازنة لملف عبد اللطيف حموشي، ولا حتى للملفات الأخرى التي سنعود إليها لاحقا بالتفصيل، بل أعاد تدوير أكثر السرديات اتهاما للمغرب، داخل إطار أوسع يحاول تقديم دفاع الرباط عن نفسها كما لو كان سلوكا مريبا، لا موقف دولة تحمي مؤسساتها وتفرض الاحترام الواجب لها.

والحقيقة أن ما أراد الوثائقي تصويره كعلامة على نفوذ مغربي مزعج يمكن قراءته، ببساطة أكبر وصدق أكبر، على أنه نتيجة مباشرة لتحول سياسي واضح. هناك ملك اسمه محمد السادس جعل من كرامة الدولة المغربية، وصيانة سمعتها، ورفض الإهانة، جزءا من طريقة الحكم. وهذا ما لم يحتمله الفيلم، حتى وهو يعرض شواهده بنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى