مجتمع

حماية أطفال المغاربة في عمل الأمن الوطني

حماية أطفال المغاربة في عمل الأمن الوطني

Loading

في المجتمعات التي تتسع فيها المخاطر المحيطة بالطفل، لا يعود السؤال محصورا في عدد الجرائم أو الحوادث، بل في قدرة المؤسسات على حماية الإحساس اليومي بالأمان لدى الأسر. هنا تحديدا يبرز معنى أن يضع الأمن الوطني ملف الطفولة داخل مجال اشتغال واضح ومعلن، لا باعتباره شأنا ظرفيا مرتبطا فقط بحوادث معزولة أو استثنائية تقع بين الفينة والأخرى، بل باعتباره جزءا من وظيفة الحماية نفسها. وفي هذا الصدد، جاء توقيع اتفاقية الشراكة الأخيرة بين المديرية العامة للأمن الوطني والمرصد الوطني لحقوق الطفل ليكشف أن الأمر لا يتعلق بمبادرة معزولة، بل بمسار أخذ يتوضح أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة.

اتفاقية لحماية الطفولة وتطوير آليات التكفل

ما تكشفه اتفاقية 14 أبريل 2026 ليس مجرد إطار مؤسساتي تقليدي، بل مدخل مناسب لفهم المسار الذي أخذه حضور الأمن الوطني في ملف الطفولة خلال السنوات الأخيرة. فهذه الاتفاقية، الموقعة بين المديرية العامة للأمن الوطني والمرصد الوطني لحقوق الطفل، لا تقتصر على جوانب عامة حول التعاون، بل تحدد مجالات اشتغال دقيقة تشمل التكوين وبناء القدرات، ورعاية الأطفال في وضعية هشاشة، وإعادة إطلاق مشروع حماية الأطفال في وضعية هشاشة، إلى جانب برنامج “مدن آمنة” للأطفال.

وهذا التفصيل يكشف أن المؤسسة الأمنية لم تعد تُستدعى في هذا المجال فقط عند وقوع الأفعال الإجرامية أو عند بروز حالات تستوجب التدخل الفوري، بل باتت تدخل إليه من زاوية أكثر اتساعا وانتظاما، تمس الوقاية، والتكفل، والمواكبة، وتطوير آليات ملائمة لخصوصية الطفولة.

وتأتي هذه الدينامية استرشادا بالرؤية السامية لجلالة الملك محمد السادس، وفي سياق التفعيل الفعلي للسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة 2015-2025، وكذا البروتوكول الترابي للتكفل بالأطفال في وضعية هشاشة، باعتباره وثيقة مرجعية توحد مسار التكفل وتعزز التنسيق بين المتدخلين.

كما أكدت نائبة رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل، غزلان بنجلون، خلال حفل توقيع الاتفاقية، أن المرصد، تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، يعمل في انسجام مع التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس على ترسيخ سياسة وطنية مندمجة للنهوض بحقوق الطفل، قائمة على الحماية والوقاية وتعزيز هذه الحقوق دون تمييز. وفي هذا الإطار، تبدو الاتفاقية صيغة أوضح لرفع مستوى التنسيق والتكامل بين المؤسستين في مجال حماية الطفولة.

“طفلي مختفي” وآلية التدخل السريع

ومن هنا يبرز موقع آلية “طفلي مختفي” داخل هذا المسار قبل الحديث عن نتائجها الرقمية. فهذه الآلية لم تظهر بوصفها إجراء ظرفيا، بل أُطلقت رسميا في 10 مارس 2023 على الصعيد الوطني، في إطار شراكة بين المديرية العامة للأمن الوطني ومجموعة “ميتا” المالكة لمنصات “فيسبوك” و”إنستغرام”، بهدف إدماج الإمكانات التواصلية لهذه المنصات في البحث عن الأطفال المختفين والمصرح بغيابهم في ظروف مشكوك فيها، على نحو يستلهم بعض جوانب نظام Amber Alert المعتمد على “فيسبوك”.

ومنذ البداية، قامت هذه الآلية على منطق واضح قوامه تقليص الزمن الفاصل بين التبليغ والتحرك، من خلال تعميم البلاغ في أجل لا يتجاوز 24 ساعة وعلى نطاق جغرافي واسع، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية المعمول بها. ولم تبق هذه الآلية في مستوى الإعلان المؤسسي فقط، إذ أظهرت معطيات منشورة في ماي 2024 أنها مكنت، منذ إطلاقها، من استرجاع 124 طفلا.

ثم كشفت الحصيلة الرسمية للأمن الوطني برسم سنة 2024 أن المنظومة ساهمت خلال تلك السنة وحدها في تحديد مكان 59 طفلا قاصرا جرى التبليغ عن اختفائهم في ظروف مشكوك فيها. وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها لا تعكس فقط نجاعة تقنية، بل تكشف عن تحول في أسلوب التعامل مع اختفاء الأطفال، من منطق الانتظار والتفاعل المتأخر إلى منطق السرعة والاستجابة المكيّفة مع حساسية هذا النوع من القضايا.

الأمن الوطني في الوسط المدرسي

لكن ما يعطي هذا المسار عمقه الحقيقي هو أن الأمن الوطني لم يحصر حضوره في لحظات الاختفاء أو التبليغ، بل اشتغل أيضا في الفضاء الذي يتشكل فيه الجزء الأكبر من حياة الأطفال اليومية، أي المدرسة ومحيطها. فالمعطيات الرسمية الواردة في حصيلتي 2023 و2024، ثم في عرض حصيلة 2025 المرتبط بالتواصل الأمني وشرطة القرب، تتحدث بوضوح عن استئناف تنفيذ المخطط الرامي إلى تدعيم التحسيس بالوسط المدرسي، وتحصين التلاميذ ضد مخاطر الجنوح وإساءة استعمال الأنظمة المعلوماتية.

وهنا تتضح قيمة التحول، إذ لم يعد الحضور الأمني المرتبط بالأطفال مجرد تدخل بعد وقوع الضرر، بل صار يمتد إلى العمل داخل البيئة المدرسية نفسها، حيث يمكن التقاط بوادر الانحراف أو الاستدراج أو الهشاشة الرقمية قبل أن تتطور إلى وقائع أخطر.

ولا يتعلق الأمر هنا بإطار نظري فقط، لأن المعطيات المنشورة سنة 2025 تفيد بأن خلايا الشرطة المكلفة بالتحسيس في الوسط المدرسي زارت خلال الموسم الدراسي 2024-2025 ما مجموعه 9798 مؤسسة تعليمية، واستفاد من أنشطتها 1,283,147 تلميذة وتلميذا، بمشاركة 2345 جمعية من جمعيات المجتمع المدني وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ.

وهذه الأرقام تعطي للحضور الأمني في الوسط المدرسي بعدا عمليا واضحا، لأنها تكشف أن الاشتغال على حماية الأطفال لم يعد يمر فقط عبر التدخل في الحالات الفردية، بل بات يمر أيضا عبر التوعية الواسعة، والإنذار المبكر، وتقوية مناعة التلاميذ في مواجهة الانحراف والمخاطر الرقمية والسلوكية.

وهذا هو المعنى العملي للحضور الأمني القريب قرب المدارس. فالأمر لا يتعلق فقط بتأمين المحيط، بل بالمساهمة في حماية التلميذ من المخاطر التي تبدأ صغيرة ثم تكبر في صمت. كما أن هذا البعد الوقائي لا ينفصل عن التوجيه العام الذي ينظر إلى الطفولة باعتبارها جزءا من الرأسمال البشري للمغرب، لا مجرد ملف اجتماعي معزول. لذلك فإن إدخال حماية الأطفال إلى صلب اشتغال مؤسسة أمنية مركزية لا يبدو خطوة منفصلة عن الرؤية الأشمل للدولة، بل ترجمة قطاعية لها داخل جهاز راكم، مع الوقت، أدوات أقرب إلى الوقاية والمواكبة والتدخل المبكر.

ولهذا أيضا لا تبدو المعطيات المرتبطة بالتحسيس المدرسي، أو بتقوية آليات حماية الأطفال المختفين، أو بتطوير الشراكات المتخصصة عناصر متناثرة، بل أجزاء من تصور واحد أخذ يتبلور بالتدريج. وهذا ما يمنح الاتفاقية الأخيرة معناها الفعلي، لأنها جاءت لتجمع في إطار واحد ما ظل يترسخ على الأرض داخل الممارسة الأمنية.

تدعيم شعور الأُسَر بالأمن

وفي هذا السياق، تكتسب حملة الإشاعات التي عرفها شهر مارس 2026 دلالة خاصة. فحين خرجت المديرية العامة للأمن الوطني ببلاغات رسمية تنفي فيها الإشاعات المغرضة بشأن حالات مزعومة للاختطاف الممنهج للأطفال مقرونة بالاتجار بالأعضاء، لم تكن تتعامل فقط مع خبر زائف بالمعنى التقليدي، بل مع نمط جديد من الاستهداف يضرب مباشرة الشعور بالأمن لدى الأسر.

وهذه الإشاعات لم تكن مجرد تضليل عابر، بل كانت تبني سردية رعب جماعي قادرة على تحويل القلق الطبيعي على الأبناء إلى حالة هلع اجتماعي، وعلى زرع الشك في الفضاء اليومي، وفي الطريق إلى المدرسة، وفي الشارع، وحتى في الثقة في قدرة المؤسسات على الحماية.

كما أن البلاغ الرسمي لم يكتف بالنفي، بل أبرز أن منظومتي “إبلاغ” و”طفلي مختفي” لم تتوصلا بأي إشعار بشأن الوقائع المزعومة، وأن بعض التسجيلات المتداولة كانت قديمة وأعيد نشرها خارج سياقها، بما يؤكد أن الأمر تعلق بحملة تهويل وتحريف استهدفت الخوف الجماعي أكثر مما استندت إلى وقائع ثابتة.

ومن هذه الزاوية، يبدو تدخل الأمن الوطني هنا أقرب إلى عمل استباقي ذكي، لأن المؤسسة لم تنتظر اتساع الأثر النفسي والاجتماعي للحملة، بل تدخلت لقطع مسارها في لحظة مبكرة، وحرمانها من التحول إلى وقائع ذهنية راسخة داخل الأسر. وهذا النوع من التدخل يكشف أن حماية الأطفال لم تعد تعني فقط مواجهة الخطر المادي المباشر، بل أيضا مواجهة التهديدات غير المادية التي تستهدف الإحساس العام بالأمان وتستغل هشاشة المجتمع أمام الأخبار المفبركة.

مسار أمني يتوسع في حماية الطفولة

وإذا جُمعت هذه الخيوط معا، يتبين أن اتفاقية القنيطرة ليست سوى الصيغة الأوضح لمسار سبق أن بدأ عمليا على الأرض. فمنظومة “طفلي مختفي”، والتحسيس في الوسط المدرسي، وتحصين التلاميذ من الجنوح والمخاطر الرقمية، والتعامل الاستباقي مع حملات الإشاعة الموجهة ضد أسر الأطفال، كلها عناصر تجعل حضور الأمن الوطني في ملف الطفولة حضورا مركبا. إنه حضور أمني بالمعنى المباشر، ووقائي بالمعنى الاجتماعي، ويقظ بالمعنى النفسي أيضا.

وهذا ما يمنح الاتفاقية الأخيرة معناها الحقيقي. فهي ليست بداية دور جديد، بل تأطير مؤسساتي أوضح لدور راكمته المؤسسة الأمنية بهدوء، ووسّعته، ثم منحته الآن عنوانا أكثر تماسكا. والأدق اليوم ليس القول إن الأمن الوطني دخل حديثا إلى ملف الطفولة، بل إنه انتقل من حضور عملي متفرق إلى حضور أكثر انتظاما ووضوحا في واحد من أكثر الملفات حساسية، وهو حماية أطفال المغاربة وتدعيم إحساس أسرهم بالأمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى