مجتمع

70 سنة في خدمة أمن المغاربة (3/8) | من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة.. كيف تطور ورش إصلاح الأمن الوطني

70 سنة في خدمة أمن المغاربة (3/8) | من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة.. كيف تطور ورش إصلاح الأمن الوطني

Loading

لا تصبح المؤسسة الأمنية رائدة لمجرد أنها راكمت السنوات، بل لأنها تعرف كيف تغيّر نفسها كلما تغيّر المجتمع واتسعت التهديدات وارتفعت انتظارات المواطنين. ومن هذه الزاوية، لا يُقرأ تاريخ الأمن الوطني المغربي كسلسلة من المناسبات الإدارية المتعاقبة، بل كورش إصلاحي طويل انتقل فيه الجهاز من منطق التأسيس إلى منطق التأهيل، ثم من التأهيل إلى التحديث العميق، قبل أن يدخل خلال العقد الأخير مرحلة أكثر وضوحا في النتائج والأثر. لذلك فالمسألة هنا ليست في عدد الإصلاحات التي أُطلقت، بل في الكيفية التي أعادت بها المؤسسة تشكيل أدواتها ووظيفتها ومكانتها داخل الدولة والمجتمع.

هذا التحول لم يكن دفعة واحدة، بل جاء عبر تراكمات متوالية أعادت تعريف معنى العمل الشرطي نفسه. فإحداث المعهد الملكي للشرطة سنة 1978 وضع التكوين في قلب المهنة، ثم جاء إنشاء مختبر الشرطة العلمية سنة 1996 ليمنح البحث الجنائي بعدا علميا أكثر رسوخا.

ومع بداية الألفية الجديدة، فُتح الولوج إلى جميع الرتب أمام النساء سنة 2001، ودُشنت مدرسة الشرطة ببوقنادل سنة 2002، ثم ظهرت لاحقا بنيات متخصصة مثل خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، ووحدات التدخل، ومعهد العلوم والأدلة الجنائية، إلى جانب نظام أساسي جديد لموظفي الأمن الوطني. ما تقوله هذه المحطات مجتمعة هو أن الأمن الوطني لم يتوسع فقط، بل راكم على مدى عقود ثقافة مهنية جديدة تقوم على التخصص والتأهيل والاحتراف.

ضمن هذا المسار، بدت سنة 2015 لحظة فارقة لأنها دشنت، بقرار ملكي واضح، وتيرة أسرع وأوضح في الإصلاح. ففي 15 ماي 2015 عيّن الملك محمد السادس عبد اللطيف حموشي مديرا عاما للأمن الوطني مع احتفاظه بمنصبه على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

وبلاغ الديوان الملكي ربط هذا القرار بإعطاء دينامية جديدة للإدارة العامة للأمن الوطني، وعصرنة أساليب عملها، وضمان التنسيق التام بين الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني والرفع من نجاعة أدائهما. أهمية هذه اللحظة أنها لم تُقدَّم كتغيير في المسؤوليات فقط، بل كبداية مرحلة يراد لها أن تجعل الإصلاح أكثر اندماجا، وأكثر نجاعة، وأكثر قابلية للقياس، داخل رؤية ملكية أوسع تجعل الحكامة وخدمة المواطن والنجاعة العمومية في صلب تحديث الإدارة.

وأول ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن الإصلاح لم يبدأ من الواجهة، بل من الداخل. ففي غضون ثلاثة أشهر فقط بعد هذا المنعطف، جرى أداء 13.5 مليار سنتيم من متأخرات التسيير العالقة عن سنوات 2012 و2013 و2014، وشملت هذه المستحقات ملفات مرتبطة بحظيرة السيارات، وتعويضات التنقل، ومستحقات مزودي الخدمات.

ولم يكن ذلك مجرد تصحيح محاسباتي، بل جزءا من إعادة ضبط التوازنات المالية والإدارية للمؤسسة، حتى يصبح التحديث ممكنا على أرضية أكثر صلابة. ثم اتسع هذا التوجه ليشمل ترشيد النفقات، وإعادة هيكلة مديرية الميزانية والتجهيز، وربط الحكامة الداخلية أكثر بمنطق النجاعة والمساءلة، في انسجام واضح مع التوجيه الملكي الذي شدد على تخليق الإدارة الأمنية وتمكينها من الموارد اللازمة.

ومن داخل هذا الترتيب الداخلي، أخذ الإصلاح طابعا إداريا ومهنيا أكثر وضوحا. فمنذ 2016 برز توجه نحو رقمنة دوائر الشرطة عبر نظام GESTARR، بما أتاح حوسبة الأنشطة الإدارية والقضائية والخدماتية، وربط دوائر الشرطة بالمصالح المركزية، وتتبع الشكايات والوثائق والخدمات بشكل أدق وأسرع.

وفي المرحلة نفسها جاءت الحركة الاستثنائية للترقية التي همّت نحو 14 ألف موظف شرطة، في واحدة من أكبر عمليات التحفيز المهني في تاريخ الجهاز. ما تعنيه هذه المعطيات هو أن الإصلاح لم يكن موجها فقط إلى صورة المؤسسة في الخارج، بل إلى مساراتها الداخلية، وآليات اشتغالها، والحافز المهني داخلها.

وعلى مستوى الفعل الأمني المباشر، أخذ هذا التحول بعدا أكثر ميدانية وتخصصا. فخلال هذه المرحلة تعززت الشبكة الترابية للفرق الجهوية للأبحاث والتدخلات إلى 13 فرقة جهوية، إلى جانب الفرق المركزية للتدخل، كما أُحدثت 20 فرقة للاستعلام الجنائي والدعم التقني، وتوسعت قاعات القيادة والتنسيق، وافتتحت مدارس جديدة للتكوين الشرطي، فيما شهدت سنة 2019 وحدها إحداث 24 بنية أمنية جديدة. هذه الأرقام لا تعكس فقط توسعا كميا، بل تكشف أن التحديث مسّ مباشرة البنية الترابية للتدخل، ورفع من قدرة المؤسسة على الجمع بين سرعة الاستجابة، والتغطية الأقرب للمجال الحضري، والتعاطي مع القضايا المعقدة بأدوات أكثر تخصصا.

ولم يقتصر هذا التحول على البعد العملياتي، بل شمل أيضا البعد الحقوقي والمهني في عمقه، في انسجام واضح مع التوجيه الملكي الذي ربط الحزم الأمني بالقانون واحترام الحقوق والحريات. ففي 2016 أُعدّت مصوغة تدريبية جديدة في مجال الأمن وحقوق الإنسان بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، قبل أن تُدرج في التكوين الأساسي والمستمر لجميع فئات الشرطة.

ثم أُعيد تنظيم 132 خلية للتكفل بالنساء ضحايا العنف، وتطورت آليات المراقبة المرتبطة بأماكن الوضع تحت الحراسة النظرية، قبل أن تتوج هذه الدينامية باتفاقية الإطار الموقعة في 14 شتنبر 2022 بين المديرية العامة للأمن الوطني والمجلس الوطني لحقوق الإنسان لتوطيد احترام حقوق الإنسان في الوظيفة الأمنية. ثم جاء تنزيل الميثاق الجديد للتوظيف والتكوين الشرطي في 2024، مع استدعاء 9493 شرطية وشرطيا جديدا للتكوين الأساسي، واستفادة 13.248 موظفة وموظفا من برامج التكوين. هنا لا يبدو الإصلاح مجرد تحديث للبنية، بل إعادة بناء متواصلة للثقافة المهنية نفسها.

أما في الجانب العلمي والرقمي، فقد أخذت الريادة شكلا أوضح. فالمختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية لم يعد مجرد مصلحة مساعدة، بل أصبح بنية مرجعية معتمدة وفق المعيار الدوليISO/IEC 17025، قبل أن يتوسع هذا الاعتماد ليشمل مختلف تخصصاته.

وفي الميدان الرقمي، تحولت منظومة الهوية الرقمية المرتبطة بالجيل الجديد من البطاقة الوطنية إلى ركيزة لخدمات عمومية أوسع، وتُوج هذا المسار بجائزة “ريادة” في جيتكس إفريقيا 2024، ثم باتفاقية 5 ماي 2025 بين المديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة لتطوير الحكومة الإلكترونية وتعميم استعمال ميزات الهوية الرقمية.

والقيمة هنا لا تكمن في التكنولوجيا لذاتها، بل في كون أثر التحديث تجاوز حدود المرفق الأمني، وصار جزءا من تحديث علاقة الدولة بالمواطن، في انسجام مع التوجيهات الملكية التي جعلت جودة المرفق وخدمة المواطن والحكامة الجيدة مدخلا للإصلاح.

ولم يبق أثر هذا التحول محصورا في الداخل فقط، بل بدأ ينعكس أيضا على الحضور الدولي للمؤسسة. فمع تراكم الخبرة في مجالات الشرطة العلمية، والرقمنة، وتدبير التظاهرات الكبرى، وتعزيز التنسيق بين الأمن العمومي والاستعلام، بات الأمن الوطني المغربي يرسخ حضوره أكثر داخل الفضاء المهني الدولي، لا باعتباره جهازا يواكب التحول فقط، بل باعتباره تجربة أمنية أخذت تفرض نفسها بما راكمته من مؤشرات على النجاعة والتحديث والقدرة على التكيف مع التحديات المعقدة. وهذه بدورها إحدى علامات النضج التي بلغها ورش الإصلاح، حين يصبح أثره قابلا للقراءة أيضا في صورة المؤسسة خارج حدودها الوطنية.

وفي الميدان أيضا، لم يعد التحديث مسألة تجهيزات فقط، بل صار يتعلق بإعادة بناء القدرة الأمنية نفسها. فالمؤسسة لم تعد تطور وسائلها من أجل التدخل السريع فحسب، بل من أجل تدبير فضاءات أكثر تعقيدا، وتأمين تظاهرات كبرى، ورفع مستوى التنسيق والقيادة، وإدماج التكنولوجيا الذكية في العمل اليومي. وهكذا لم يعد معنى التحديث هو اقتناء أدوات جديدة فقط، بل الانتقال إلى نموذج أمني أكثر جاهزية ومرونة وتخطيطا، يجمع بين الحضور الميداني والاستباق والدقة في الاستجابة.

أما أيام الأبواب المفتوحة، فقد تحولت بدورها إلى أحد المؤشرات الدالة على هذا التحول. ولم تعد أهميتها محصورة في حجم الإقبال الذي تحققه، بل في ما تكشفه عن تغير علاقة المؤسسة بالمجتمع. فاستقطاب دورة الجديدة سنة 2025 نحو 2.4 مليون زائر لا يعكس فقط نجاحا تنظيميا أو تواصليا، بل يؤشر إلى أن الأمن الوطني بات يراهن أيضا على القرب والشرح والانفتاح، وعلى بناء الثقة من خلال معرفة مباشرة بالمرفق الأمني ووظائفه وتحولاته.

غير أن المؤشر الأهم يبقى هو الأثر الذي يتركه هذا التحول في نظرة المجتمع إلى المؤسسة. فالموجة الثامنة من البارومتر العربي، المنجزة في المغرب بين دجنبر 2023 ويناير 2024، تُظهر أن ثمانية من كل عشرة مغاربة يعبّرون عن ثقة كبيرة أو معتبرة في الشرطة، وأن النسبة نفسها تقريبا ترى أن الدولة تقوم بعمل جيد أو جيد جدا في توفير الأمن والنظام.

وهذه المعطيات مهمة لأنها تعني أن الإصلاح لم يبق حبيس البلاغات والتقارير، بل بدأ ينعكس على الشعور العام بالثقة والاطمئنان. وحين يوضع هذا المعطى إلى جانب دينامية الانفتاح والقرب التي صارت المؤسسة تعتمدها، يتضح أن التحديث لم يعد شأنا داخليا فقط، بل صار جزءا من صورة المرفق الأمني داخل الوعي العام.

بعد سبعين سنة من التأسيس، لا تبدو قصة الإصلاح في الأمن الوطني قصة جهاز كبر فقط، بل قصة مؤسسة تعلمت كيف تتغير من دون أن تفقد وظيفتها الأصلية. فمن جهاز ناشئ وُلد في سياق بناء الدولة المستقلة، انتقل الأمن الوطني إلى مؤسسة رائدة راكمت الخبرة، واستثمرت في التكوين والدليل العلمي، ودخلت العصر الرقمي، ووسعت منطق القرب، وربطت فعاليتها أكثر فأكثر بالثقة العامة.

إن التحول من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة لم يكن نتيجة الزمن وحده، بل ثمرة ورش إصلاحي طويل، تعاقبت عليه مراحل متعددة، قبل أن يعرف في العقد الأخير وتيرة أسرع وأوضح في الأثر. وقد جعل ذلك من الأمن الوطني مؤسسة أكثر حضورا في الميدان، وأكثر رسوخا في الوعي العام، وأيضا أكثر بروزا على المستوى الدولي بوصفها نموذجا مهنيا يتقدم في مجالات التحديث، والشرطة العلمية، والرقمنة، والانفتاح، وتدبير التحديات الأمنية المعقدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى