مجتمع

صراع الديكة الرقمية: تحليل لديناميات حرب البودكاست السياسي في المغرب

صراع الديكة الرقمية: تحليل لديناميات حرب البودكاست السياسي في المغرب

Loading

تشهد الساحة الإعلامية الرقمية في المغرب، ومنصات صناعة المحتوى المرئي السياسي على وجه التحديد، تحولات جذرية وسريعة جعلت من “الويب” المغربي ساحة لحرب ضروس غير معلنة تدور رحاها بين ثالوث إعلامي يجر خلفه سجل قضائي طويل.

نتحدث هنا عن حميد المهداوي، وتوفيق بوعشرين، وسليمان الريسوني، الذين تحولوا من ممتهني الصحافة المكتوبة والإلكترونية الكلاسيكية إلى يوتيوبرز يتصارعون على مساحة “البودكاست” وتدوين الفيديو السياسي، حيث الصراع المفتوح لم يعد يقتصر على مجرد تقديم الرأي أو التحليل الصحفي، بل تحول إلى تنافس محموم تحكمه لغة الأرقام والمشاهدات، والاستحواذ على انتباه الجمهور، سعياً وراء تحقيق أكبر قدر ممكن من العائدات المالية في سوق رقمية باتت تفرض قواعدها الخاصة على الجميع.

نهاية الاحتكار: من شعبوية المهداوي إلى “سياسوية” بوعشرين

إلى وقت قريب جداً، كان حميد المهداوي يعتبر اللاعب الوحيد في ساحة البودكاست السياسي المغربي، مستفيدا بشكل كبير من الفراغ المهول الذي كانت تعيشه الساحة الرقمية في مجال التحليل السياسي الموجه للعموم، فضلاً عن غياب منافسين حقيقيين يمتلكون القدرة على الاستمرارية وتفريخ المحتوى بشكل يومي.

وهذا الوضع الاحتكاري مكّن حميد المهداوي من تحقيق مداخيل مالية خيالية، معتمداً في ذلك على أسلوب يميل إلى الشعبوية واستثارة العواطف، وهي طريقة استقطبت شرائح واسعة من المتابعين الباحثين عن لغة بسيطة ومباشرة. غير أن هذا الأسلوب، الذي طبعته أحياناً ممارسات يصفها البعض بـ”التبوحيط” أو لعب دور الضحية والمبالغة العاطفية، بل وصل حتى التواطؤ مع ضيوف الحلقات، بدأ يستنفد أغراضه مع مرور الوقت وتغير أذواق المتلقين.

وفور دخول توفيق بوعشرين إلى ساحة تدوين الفيديو السياسي بعد العفو عنه وخروجه من السجن، بدأت معالم المشهد تتغير بشكل جذري، حيث تبين بسرعة أنه بدأ يسحب البساط من تحت أقدام حميد المهداوي، بعدما تلافى أخطاء وشعبوية هذا الأخير، في محاولة لتقديم منتج رقمي مختلف تماماً.

وقد اعتمد بوعشرين على الهدوء في التحليل، مقارنة بالصخب والشعبوية والنزق الذين ميزوا فيديوهات المهداوي، وهذا التوجه الجديد لم يكن مجرد تغيير في الشكل، بل كان استراتيجية ذكية لتقديم محتوى سياسي مغاير، مما جعل قناة بوعشرين ملاذاً جديداً لفئات واسعة من المتابعين الذين سئموا الانفعالات المجانية.

إن طريقة بوعشرين في تناول المواضيع السياسية الراهنة بنوع من التوازن السياسي والصحفي الظاهر، أحدثت شرخاً في القاعدة الجماهيرية للمهداوي. فقد نجح بوعشرين في استقطاب فئات معتبرة من المتابعين، وخصوصاً الفئة العمرية الكبيرة التي كانت تزعجها طريقة المهداوي وتعتبرها سطحية أو تفتقر إلى العمق التحليلي. هذا التحول في رغبات الجمهور لم يؤثر فقط على أرقام المشاهدات، بل ضرب في الصميم العائدات المالية للمهداوي.

الوافد الجديد: الريسوني والبحث عن الموطأ المالي والجماهيري

في خضم هذا الاستقطاب الثنائي الحاد، شهد المشهد الرقمي دخول طرف ثالث زاد من تعقيد المعادلة، وهو سليمان الريسوني من خلال إطلاق قناته الجديدة (الناقد) بخلفية (الحاقد) على منصة يوتيوب.

ولا يدخل الريسوني هذه الساحة بخلفية المحلل السياسي، بل بمقصد الحاقد الذي يبحث بشراسة عن موطأ قدم في ساحة المشاهدين التي باتت تضيق بصناع المحتوى. إن الهدف الأساسي للريسوني، شأنه شأن سابقيه، هو أولا تلافي حالة النسيان التي دخل فيها بعد فراره للخارج وبحثه بدون جدوى عن ملاذ آمن، ثم لفت الانتباه الجماهيري وحصد الاهتمام الإعلامي، والأهم من ذلك كله، اقتطاع حصته من الكعكة الدسمة للعائدات المالية التي يوفرها البودكاست السياسي في المغرب، والتي أثبتت تجارب الآخرين أنها قد تكون مصدراً للمال من خلف شاشة الهاتف المحمول.
ومن المتوقع جداً أن تفتح الأيام القليلة القادمة الباب على مصراعيه أمام حرب ضروس ومعارك كسر عظام بين الأشخاص الثلاثة، مع تركيز خاص على المواجهة المحتملة بين توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني. فكلاهما ينهل من نفس المدرسة ويستهدفان تقريباً نفس الشريحة من الجمهور. وهذا التطابق في الأهداف والجمهور المستهدف سيجعل الصراع بينهما تناحرياً، حيث يبحث كل منهما بنهم شديد عن تصدر المشهد، وزيادة المتابعة الجماهيرية، وجذب الاهتمام الإعلامي، وكل ذلك يصب في النهاية في خانة تعظيم العائدات المالية التي أصبحت المحرك الأساسي لهذه المشاريع الرقمية.

الانزلاقات المحتملة: وقود الحرب وتجاوز الخطوط الحمراء

لكن الخطير في هذه المنافسة المحمومة ليس هو الصراع على الجمهور أو المال بحد ذاته، بل يتمثل في طبيعة “الوقود” الذي قد تستخدمه هذه الأطراف لإبقاء جذوة قنواتها مشتعلة. ففي ظل الرغبة العارمة في التفوق واكتساح المنافسين، قد يندفع كل طرف نحو محاولة تناول موضوعات سياسية واجتماعية شديدة الحساسية بطرق تثير الجدل المجاني أو الإثارة المفتعلة.

إن البحث عن “البوز” أو الانتشار السريع قد يعمي بصيرة هؤلاء الفاعلين عن الضوابط المهنية والأخلاقية، مما يدفعهم إلى المغامرة في حقول ألغام سياسية وقانونية سعياً وراء رفع مؤشرات المشاهدة، خصوصا وأن تضخم الأنا عند البعض منهم، لاسيما سليمان الريسوني، قد يجعل منه كاميكاز رقمي منذور لكل التطاحنات الإعلامية المحتملة.

فسليمان الريسوني طالما همس، تحت وطأة الثمالة، بأنه الصحفي رقم واحد، مشبها نفسه بالمدرب خوسي مورينيو في ملاعب الكرة، وهو التضخم الذاتي الذي يرزح تحته أيضا توفيق بوعشرين وحميد المهداوي، وهو ما ينذر بتراشق رقمي محتدم قد يصل إلى حد امتشاق نصل التطاحن والتنافس المحموم في مواقع التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى