مجتمع

يسألونك عن مناهضي التطبيع، قل: هم عملاء وخونة الوطن

يسألونك عن مناهضي التطبيع، قل: هم عملاء وخونة الوطن

Loading

قبل بضعة أشهر فقط من إعلان تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، بالنسبة لبعض المغاربة، فإن القضية الفلسطينية تأتي خلف قضيتهم الأساسية، أي الصحراء المغربية.

إن حقوق الفلسطينيين ووضع القدس هما خطان أحمران بالنسبة للمملكة.

وعليه، اعتبر العديد من المراقبين أن هذا ليس انقلاب اي الموقف، وقد رسخ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، والذي تزامن مع التطبيع مع إسرائيل، السردية القومية (#المغرب_أولًا) في أوساط العديد من المغاربة، ولا سيما بعدما أطلق النظام والإعلام في الجزائر حملة انتقادية غير مسبوقة ضد “الاتفاق”.

وينضوي تطبيع العلاقات بين الرباط وتل أبيب الآن ضمن النموذج الثنائي للسرديات السياسية المغربية، التي يجسدها هاشتاغ #المغرب_أولًا #. ويتخذ المعسكر المؤيد للتطبيع موقفًا واقعيًا يتطلع إلى حماية سلامة الأراضي واكتساب مزايا اقتصادية ضخمة.

 تقوم هذه السردية أيضًا على السمات المتغيرة للهوية المغربية؛ كانت سببًا رئيسيا وراء تأييد الكثير من المغاربة لمبدأ “المغرب أولًا”.

التطبيع: استذكار للإرث المغربي اليهودي

يقول الذين أثنوا على القرار المغربي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل إن موقف المغرب من القضية الفلسطينية ليس متضاربًا، وإن منح الأولوية لمسألة الصحراء ليس أبدًا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. في هذا السياق، يشير محللون سياسيون إلى أنه يجب النظر إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل على أنه خطوة ضرورية في مسار إحراز تقدم لصالح الدولة الفلسطينية والاستقرار في كافة أرجاء الشرق الأوسط، ولا سيما نظرًا إلى علاقات الرباط الإقليمية المهمة والمميزة. كما يشدد معظم مناصري التطبيع في الوقت نفسه على سردية مغربية موالية للفلسطينيين من خلال الإشارة إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها جلالة الملك محمد السادس مع محمود عباس وطمأنه فيها إلى أن موقف المغرب ثابت إزاء القضية التي يضعها في المصاف نفسه مع قضية الصحراء المغربية.

وتحدّث آخرون عن العلاقات التاريخية والثقافية والشخصية والروحية الفريدة التي تجمع بين المغرب وإسرائيل. فوجود مجتمع مغربي يهودي كبير في إسرائيل والاعتراف الدستوري عام 2011 بالمكون اليهودي في الهوية المغربية هما عنصران أساسيان للتقارب بين المغرب وإسرائيل؛ فالبلدان يشكلان نموذجًا مثاليًا للعلاقات المثمرة والحوار بين الأديان والتعايش السلمي بين العرب المسلمين واليهود في المنطقة في أوقات تسودها الاضطرابات والصراعات على الصعيد العالمي. وقد أسفرت خسارة المغرب للعديد من مواطنيه اليهود منذ العام 1948 عن قيام مجتمع مغربي يهودي داخل إسرائيل، كان المغفور له الملك الحسن الثاني قد وصف أفراده بأنهم سفراء المغرب.

ويزداد احتمال حملهم هذا اللقب فعليًا نظرًا إلى الدور الذي يلعبه اليهود المغاربة حاليًا في المشهد السياسي الإسرائيلي.

وما يثير الاهتمام هو أن اليهود المغاربة الإسرائيليين يحافظون على علاقات روحية وثقافية ووطنية (قومية) قوية مع بلدهم الأم. وقد استفاد المغرب كذلك من تصوير الإرث اليهودي على أنه إرث مغربي، وهو أمر أثنت عليه بالوما الباز بقولها إنه “البلد الوحيد في العالم، ناهيك عن إسرائيل، حيث يُعتبر القانون الأسري اليهودي ملزمًا قانونيًا باعتباره قانونًا وطنيًا لليهود في الزمن المعاصر”. وبدوره، شدّد أندريه ليفي (2003) على الدور البارز الذي لعبته رحلات الحج والممارسات التقديسية اليهودية، التي بدلًا من تأجيج التوترات بين المسلمين واليهود، ساهمت في “الحفاظ على الروابط بين الجماعتين”. وعلى نحو مماثل، لا تزال “آثار” الوجود اليهودي قائمة في أرجاء المغرب حتى في مناطق غادرتها المجتمعات اليهودية، ما يدفع بالأكاديميين إلى الدعوة إلى الاهتمام بـ”ذكريات الغياب” هذه، مستندًا بشكل خاص إلى تجارب الأقليات في المغرب باعتبارها تدحض السرديات الاستشراقية والاستعمارية.  في إشارة قوية إلى الأهمية الفريدة والغنية لكونه يهوديًا مغربيًا، يقول أندريه أزولاي، مستشار جلالة الملك محمد السادس، “أشعر وكـأن عمري أكثر من 2000 عام. بصفتي يهوديًا هنا، فأنا أنتمي إلى مجتمع وصل قبل الإسلام بوقت طويل. لدي شرعية كاملة في هذا البلد … وحتى يتم منح الفلسطينيين الهوية والكرامة، تضعف يهوديتي. . . أنا مستشار لأمير المؤمنين وهو سليل مباشر للنبي محمد. . . ولا توجد دولة عربية أو إسلامية أخرى يوجد فيها شخص يهودي في مثل هذا المنصب. إن ذلك ليس مصادفة وليس له علاقة بـ [أنا كشخص]، لكنه استمرار لتقاليد طويلة “.

ونسلط الضوء هنا لنبين للمناهضين حثالة المجتمع مشاريع الدولة وجلالة الملك المتعلقة بإعادة تأهيل الإرث اليهودي المادي وغير المادي والحفاظ عليه، وتعزيز التنوع الثقافي المغربي وإدراج عملية التأهيل الكبرى لمواقع يهودية عام 2012. وقد بثت قنوات إذاعية وتلفزيونية مغربية بارزة عددًا غير مسبوق من برامج مثل “تامغربيت”، للاحتفال بالتعايش المشترك بين المسلمين واليهود في المغرب، ودعوة شخصيات مرموقة يهودية وغير يهودية من المقيمين والشتات للتحدث عن الثقافة اليهودية باعتبارها مكونًا أساسيًا من الهوية الثقافية المغربية. وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين واليهود يتبركون بأكثر من مائة ولي صالح مشترك في المغرب، مما يشير إلى وجود تفاعل روحي قوي بين الطائفتين.

وتجدر الإشارة هنا أن هناك تصريح لا ينسى لجلالة الملك محمد الخامس حيال اليهود المغاربة في لحظة مهمة عندما حاول نظام فيشي اعتقال وسجن يهود في معسكرات احتجاز: “لا يوجد مواطنون يهود ومواطنون مسلمون بالمغرب، بل يوجد مغاربة فقط. “. وبقيت هذه اللحظة نموذجًا منقطع النظير للتسامح والوجود السلمي لليهود في أرض مسلمة.

المرحلة المقبلة

على من الرغم تبجحات الكوفيين والإسلاميين المتطرفين وبعض المحسوبين على اليسار المتطرف، تبقى الحقيقة الأكثر ترجيحًا أن معظم المغاربة الشباب سيركزون على قضايا أساسية أخرى غير التطبيع. تصبّ اهتمامها وتركيزها على مشاكلها الخاصة، بما فيها التوظيف والتعليم والكرامة وحقوق النساء وعلى مكافحة الفقر والفسادين بحيث من المستبعد جدًا أن تصبح مناهضة التطبيع في المغرب حركة شعبية.

المغرب الآن أمام فرصة للدفع بمسلسل السلام إلى الأمام، فهو الآن جهة فاعلة محايدة في الصراع العربي-الإسرائيلي بما أنه يبعد آلاف الكيلومترات عن موقع الصراع الفعلي. ومن هذا المنطلق ونظرًا إلى وجود مجتمع مغربي يهودي كبير في إسرائيل، قد يستفيد المغرب من قراره الحالي ويسعى ليكون وسيطًا بحيث يلعب دورًا للتوصل إلى حل عادل ودائم وشامل بين العرب والإسرائيليين.

فالتطبيع مع اسرائيل، هو بناء علاقات رسمية، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية واستخباراتية، والتطبيع ليس هو تسليم لدولة اسرائيل بحقها في الأرض العربية بفلسطين، وبحقها في بناء المستوطنات وحقها في تهجير الفلسطينيين وحقها في تدمير القرى والمدن، وهكذا لا يكون التطبيع هو الاستسلام والرضا بأبشع مراتب المذلة والهوان والتنازل عن الكرامة وعن الحقوق.

والتطبيع ليس جريمة كما يذهب البعض. فالتطبيع هو جعل العلاقات طبيعية بين طرفين

ومن خلال هذا المعيار فإنه لا يحق للشعوبيين والكوفيين مناهضة التطبيع مع إسرائيل، طالما بقيت تصرُّ على السلام، وتصرُّ على تحسين علاقاتها مع العرب.

والاتفاقيات لم تفرط عقد الأمة، وقوت شوكتها، وقوت أصدقاءها، ولم يتمكن سرطان الكوفيين الفتاك من التجرؤ على قرارات الامة..

ولا يمكن فهم الحال اليوم إلا في ضوء النبوءة الكبرى بأن الأمم ستتداعى على هذه الأمة وتهينها، لا من قلة، بل لأن الكوفيين والاسلامويين غثاء كغثاء السيل.

إن غيرة المغاربة على فلسطين لا تضاهيها غيرة، فحتى عندما كانوا يواجهون حروبا مع الصليبية قرونا في الأندلس ذهب متطوعة المغاربة واستشهد منهم من استشهد إلى جانب الأيوبيين.

وهذه الغيرة تحملها الدولة في المغرب اليوم بعقلانية وفعالية، ويحملها بعض المغاربة بطيبوبة تحاذي السذاجة في بعض الأحيان، وتستعملها في السياسة للتشويش على النظام العام أطراف من الشعوبيين المحترفين.

لكن جمهور الناس في المغرب يفهمون سياق الوقائع، ولا يجوز أن يزايد عليهم في الدين أو في الانتماء إلى الأمة مزايد، فهم يفهمون المشرق، أما بعض المشارقة، وهم غارقون في أفكار مسبقة، فقد نظروا على الدوام إلى المغرب من أعلى.

لقد انتقد بعض الإنجليز زعيمهم تشرشيل بسبب تقربه من ستالين أثناء الحرب العالمية الثانية، فكان يرد عليهم بما معناه: “أنا مستعد للتحالف مع الشيطان ضد النازية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى