: هشام جيراندو بين الدعوة إلى استهداف الموظفين العموميين في منازلهم والتحريض على العصيان بالعنف والتخريب.. إلى متى تصمت كندا؟

![]()
ما يبثه هشام جيراندو من فوق التراب الكندي لم يعد ممكنا وضعه في خانة الرأي أو المعارضة أو حتى الانفلات اللفظي المعتاد على المنصات. الرجل انتقل إلى مستوى آخر أكثر خطورة، بعدما صار يدعو بشكل علني إلى استهداف مسؤولين وموظفين عموميين في منازلهم، ويحرض على العصيان بالعنف والتخريب، ويدفع متابعيه إلى النزول إلى الشارع وحمل ما يمكن استعماله في المواجهة. ما صدر عنه في بثي 26 و27 فبراير 2026 على صفحته في فيسبوك “tahadi.info” لا يندرج ضمن خطاب احتجاجي، بل ضمن خطاب متطرف تحريضي واضح، تتجمع فيه عناصر التهديد والاستهداف والدفع نحو الفوضى.
خطورة ما جرى لا ترتبط فقط بالألفاظ المستعملة، بل بطبيعة المنحى الذي اتخذه هذا الخطاب. ففي أحد البثين عاد جيراندو إلى التلويح بعناوين منازل مسؤولين وموظفين عموميين ومعطياتهم الشخصية، وهو سلوك لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره فتحا لباب الانتقام والتصفية والتحريض غير المباشر على الإيذاء.
وما يزيد خطورة هذه الخرجات أن مضمونها يقترب، حتى بمنظار القانون الكندي نفسه، من دائرة الخطاب المتطرف ذي الحمولة الإرهابية. فالقانون الجنائي الكندي يجرّم التهديد بإلحاق الموت أو الأذى الجسدي، كما يجرّم التحريض على ارتكاب جرائم إرهابية، ويجيز التعامل مع التسجيلات والمواد التي تدفع في هذا الاتجاه باعتبارها دعاية إرهابية. وعندما يجتمع التلويح بعناوين المسؤولين والموظفين في بيوتهم مع الدعوة إلى التخريب والمواجهة العنيفة مع السلطة، فإن الأمر يتجاوز خطاب الكراهية السياسي إلى بنية تحريضية أشد خطورة.

وفي البث الموالي لم يكتف بالتحريض على العصيان، بل دفع في اتجاه التخريب والمواجهة المباشرة مع السلطة، ودعا إلى عدم أداء الضرائب والفواتير والغرامات، وربط ذلك كله بخيار إسقاط النظام الملكي. بهذه الصورة، لم يعد الأمر مجرد خطاب عدائي ضد الدولة، بل صار دعوة صريحة إلى تقويض النظام العام واستهداف من يمثلون السلطة أو يخدمون المرفق العمومي.
وهنا تحديدا تظهر المسؤولية الكندية بشكل لا يقبل التهرب. لأن كندا لا يمكنها أن تستمر في تقديم نفسها باعتبارها دولة قانون صارمة في حماية مؤسساتها واحترام أحكام قضائها، ثم تتساهل في المقابل مع شخص يستعمل ترابها ومنصاتها الرقمية لبث دعوات صريحة إلى العنف ضد دولة أخرى ومؤسساتها وموظفيها. المسألة لم تعد تتعلق بآراء صادمة أو بخطاب سياسي حاد، بل بمحتوى يتضمن استهدافا لأشخاص بعينهم، وتوظيفا لمعطياتهم الشخصية في سياق عدائي، وتحريضا على التخريب، ودعوات إلى العصيان العنيف. وأي تجاهل كندي لهذا المستوى من التصعيد لن يكون مجرد تقصير، بل سيُفهم على أنه تساهل مع استعمال الفضاء الكندي كقاعدة آمنة لخطاب تحريضي عابر للحدود.
كما أن ما لوّح به جيراندو يعيد إلى الواجهة أسلوبا معروفا لدى التنظيمات الإرهابية، حين تتحول المعطيات الشخصية إلى أداة استهداف. فقد سبق أن وثقت تقارير أمنية وإعلامية نشر تنظيم “داعش” الإرهابي لما سُمي “قوائم استهداف” تضمنت أسماء وعناوين ومعطيات شخصية تخص عسكريين أمريكيين، مع تحريض صريح على ملاحقتهم والاعتداء عليهم داخل أماكن إقامتهم. ولهذا فإن التهديد بنشر عناوين موظفين ومسؤولين عموميين، في سياق مشحون بالدعوة إلى العنف والانتقام، لا يشبه مجرد تشهير رقمي، بل يقترب من منطق الاستهداف الذي اعتمدته الجماعات المتطرفة لتقريب المسافة بين التحريض والفعل.
إن السلطات الكندية سبق لها أن تعاملت بجدية مع التهديدات والتحريضات المنشورة رقميا ضد مسؤولين وشخصيات عامة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، في يوليوز 2024، أعلنت الشرطة الفدرالية الكندية توجيه اتهامات إلى شخصين في ألبرتا بعد نشر تهديدات بالقتل ضد رئيس الوزراء جاستن ترودو ومسؤولين سياسيين آخرين، أحدهما عبر منصة إكس والآخر عبر يوتيوب. واعتبرت الشرطة أن هذه المضامين تجاوزت حدود التعبير المحمي ودخلت في نطاق النشاط الإجرامي الذي يستوجب المتابعة، وهو ما يعكس بوضوح أن المحتوى المنشور على المنصات لا يفقد خطورته لمجرد أنه يصدر عن بعد أو في شكل رقمي.

كما تُظهر سوابق كندية أخرى أن القضاء لا يتساهل، مبدئيا، مع التهديدات المنشورة ضد المسؤولين العموميين. ففي ساسكاتشوان، أُدين رجل سنة 2017 بعد تهديده جاستن ترودو عبر فيسبوك، بينما أقر رجل آخر في ألبرتا سنة 2018 بالذنب في قضية تهديدات استهدفت رئيس الوزراء.

أهمية هذه السوابق أنها تؤكد أن كندا سبق أن اعتبرت التهديدات الرقمية، حتى حين تصدر عبر منشورات أو رسائل أو منصات اجتماعية، مسألة جنائية تستوجب الاعتقال أو الإدانة أو كليهما. ومن ثم، يصعب تبرير أي تساهل مع حالة هشام جيراندو فقط لأن التحريض الذي يبثه لا يستهدف كندا مباشرة، بل يطال دولة أخرى ومسؤوليها من فوق التراب الكندي.
خلاصة القول أنه لم يعد ممكنا التعامل مع ما يبثه هشام جيراندو من كندا باعتباره مجرد آراء غاضبة أو انفلاتا لفظي عابر. نحن أمام خطاب يجمع بين التهديد، والاستهداف الشخصي، والتحريض على العصيان بالعنف، والدفع نحو التخريب، في مناخ مشحون بالكراهية والرغبة في الانتقام.
وإذا كانت كندا قد أظهرت، في حالات موثقة، أنها قادرة على التحرك حين يتعلق الأمر بتهديدات رقمية موجهة ضد مسؤوليها، فإن منطق دولة القانون يقتضي منها القدر نفسه من الجدية عندما يصدر التحريض من ترابها ويستهدف دولة أخرى ومؤسساتها وموظفيها. فالتهاون هنا لا يعني فقط ترك خطاب متطرف يمر بلا ردع، بل يعني أيضا السماح بترسيخ فكرة خطيرة مفادها أن كندا يمكن أن تتحول إلى ملاذ آمن للتحريض العابر للحدود ما دام العنف المطلوب لا يقع فوق أرضها.



