خارج الحدود

تفجيرات البليدة بالجزائر خلال زيارة البابا.. خرق أمني خطير وصمت رسمي مريب ومحاولة تضليل غبية

تفجيرات البليدة بالجزائر خلال زيارة البابا.. خرق أمني خطير وصمت رسمي مريب ومحاولة تضليل غبية

Loading

ما وقع من تفجيرات انتحارية متزامنة في البليدة بالجزائر يوم 13 أبريل 2026 لم يكن حادثا أمنيا عاديا. منذ الساعات الأولى، بدا واضحا أن الجزائر وجدت نفسها أمام واقعة ثقيلة بسبب طبيعة التفجيرين وتوقيتهما. الهجوم جاء في اليوم نفسه الذي وصل فيه البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر في زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها، وفي لحظة كان النظام العسكري الجزائري يحاول فيها تقديم صورة بلد مستقر وقادر على تأمين حدث ديني ودبلوماسي بهذا الحجم. لكن ما جرى فرض واقعا آخر أكثر إحراجا، وهو خرق أمني خطير على مقربة من العاصمة وفي توقيت بالغ الحساسية.

المعطيات التي ظهرت خلال اليوم أظهرت أن الأمر يتعلق بتفجيرين انتحاريين في وسط مدينة البليدة، مع حديث عن استهداف محيط أمني وفضاءات عمومية. بعض المصادر تحدثت عن شخصين فجرا نفسيهما داخل المدينة، فيما ذهبت مصادر أخرى إلى أن أحد الهدفين كان مفوضية للشرطة والثاني مرفقا خاصا داخل المجال الحضري. والصورة العامة بقيت واضحة، وهي أننا لسنا أمام انفجار عرضي أو حادث غامض، بل أمام عملية مزدوجة ضربت مدينة قريبة من العاصمة وفرضت أثرها السياسي والأمني في يوم استثنائي بالنسبة للجزائر.

وتزداد خطورة الواقعة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما نقلته “جون أفريك” عن شاهد ميداني من تفاصيل إضافية. فبحسب تلك الإفادات، كان أحد المنفذين امرأة، بينما كان الثاني رجلا يرتدي لباسا تقليديا بُنّيا بغطاء رأس. وفي أعقاب الهجوم، سارعت الإدارات والمؤسسات العمومية إلى الإغلاق، وتم إلزام الموظفين بالبقاء داخل المباني، فيما تحدثت الشهادات عن حالة استنفار واسعة وبلاغات عن عبوات ناسفة أخرى، مع الإشارة إلى تفكيك أربع قنابل إضافية كانت تستهدف رجال شرطة وأماكن عمومية. وحتى مع غياب تأكيد رسمي لهذه التفاصيل، فإنها تعكس بوضوح حجم الارتباك الذي ساد المدينة والذعر الذي خلفه الهجوم في محيطها المباشر.

البليدة هنا ليست مجرد مكان وقع فيه التفجير، بل جزء من دلالات ما جرى. فهي إحدى البوابات الحيوية للعاصمة وامتدادها الأمني المباشر، وأي اختراق يحدث فيها خلال زيارة بهذا الحجم يطرح تلقائيا أسئلة محرجة حول جاهزية الطوق الأمني وحول قدرة الدولة على منع التهديد قبل تحوله إلى فعل ميداني. لذلك بدت الواقعة منذ بدايتها أكبر من مجرد حادث محلي، وكانت رسالة صادمة بأن الخطر تمكن من فرض نفسه في لحظة كان يفترض أن تكون فيها كل الأجهزة في أعلى درجات اليقظة.

غير أن ما كشفه الحادث لم يكن أمنيا فقط، بل سياسيا ومؤسساتيا أيضا. فمنذ الساعات الأولى، بدا الصمت الرسمي الجزائري لافتا إلى حد أنه تحول في حد ذاته إلى جزء من صورة الأزمة. فبينما كانت معطيات دقيقة تتداولها وسائل إعلام موثوقة، وتظهر مقاطع فيديو وصور توثق لحظة التفجيرات وما أعقبها من استنفار وفوضى ميدانية، ظلت السلطات الجزائرية عاجزة عن تقديم رواية رسمية واضحة ومتماسكة تواكب خطورة ما جرى. لم يكن النقص في المعلومات ناتجا عن غياب المعطيات، بل عن غياب الموقف الرسمي القادر على تأطير الحدث وتحمّل مسؤوليته أمام الرأي العام.

وهنا تتجلى الأزمة في معناها الأعمق. فالدولة لا تُختبر فقط في قدرتها على منع الهجوم، بل أيضا في قدرتها على الظهور متماسكة بعد وقوعه وإدارة لحظة الصدمة بثقة ووضوح. في الحالة الجزائرية، لم يكن الصمت مجرد تأخر في التواصل، بل بدا انعكاسا مباشرا لارتباك داخلي واضح. ذلك أن صور التفجيرات ومقاطع الفيديو والشهادات الميدانية لم تترك مجالا للإنكار، فيما ظل الخطاب الرسمي متأخرا أو غائبا، وهو ما جعل صورة النظام نفسه تبدو مرتبكة وعاجزة عن السيطرة على روايته في واحدة من أكثر اللحظات حساسية.

الأخطر أن هذا الصمت الرسمي ترافق مع سلوك دعائي فج وغبي وسخيف كشف الكثير عن طبيعة الأزمة. ففي ذروة الانشغال بما وقع في البليدة، بدأت حسابات وصفحات جزائرية موالية للنظام على فيسبوك وإكس تروج أخبارا زائفة عن المغرب. بعض هذه الصفحات تحدث عن انفجار داخل فندق في الرباط وسقوط قتلى ومصابين بينهم سياح أجانب.
صفحات أخرى ذهبت أبعد من ذلك، وروجت ادعاءات عبثية عن انقلاب عسكري أو انفجارات داخل القصر الملكي أو حتى وفاة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله وأدام عليه موفور الصحة والعافية. هذا السيل من الأكاذيب لم يكن مجرد انحراف عابر في منصات التواصل، بل بدا محاولة واضحة لإغراق الفضاء الرقمي بقصص بديلة تصرف الأنظار عن الحدث الجزائري الأصلي.

وبدل أن تنشغل الآلة الإعلامية المحيطة بالنظام بشرح ما جرى في البليدة أو ملاحقة الأسئلة الحقيقية التي طرحها الهجوم، جرى الدفع بسرعة نحو المغرب كأنه الشماعة الجاهزة التي تعلق عليها كل أزمة داخلية. هذا السلوك ليس جديدا في منطق النظام الجزائري، لكنه بدا هذه المرة أكثر ابتذالا، لأن التوقيت كان فاضحا، ولأن التضليل كان مكشوفا إلى حد السذاجة. ففي الوقت الذي كانت فيه مدينة جزائرية تعيش صدمة تفجيرين انتحاريين، كانت بعض الأبواق منشغلة بتلفيق أخبار وهمية عن الرباط والقصر الملكي.

ما جرى في هذا المستوى يعكس عجزا عميقا عن مواجهتها. فعندما تعجز السلطة عن تقديم رواية مقنعة ومتماسكة، تلجأ دوائرها الموالية إلى خلق ضجيج خارجي لتشتيت الانتباه. غير أن هذا الأسلوب قد يرتد على أصحابه، لأنه يكشف بوضوح أن الهدف كان الهروب من الإحراج الداخلي عبر أخبار مفبركة لا تصمد أمام أي تحقق بسيط.

وهذا الارتباك لم يبق محصورا داخل المجال الرسمي الجزائري، بل امتد أثره إلى مستوى التناول الخارجي للواقعة أيضا. فحتى في الفضاء الإعلامي الدولي، وبالخصوص الفرنسي، يبرز غياب أو خفوت حضور وكالة الأنباء الفرنسية في مستوى ما كان منتظرا من مؤسسة بهذا الوزن أمام حدث يجمع كل عناصر الأولوية الصحفية، من تفجير مزدوج قرب العاصمة إلى زيارة بابوية تاريخية في بلد ما تزال ذاكرته مطبوعة بعشرية دامية. لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بصمت النظام الجزائري، بل أيضا بضعف الأثر الذي تركته الواقعة في قصاصات وكالة يفترض فيها سرعة الالتقاط وقوة الحضور، خاصة إذا ما قورن ذلك بالإيقاع الأكثر وضوحا الذي تعتمده في ملفات أخرى تخص المغرب، حتى التافهة.

إن تفجيرات البليدة تكشف ثلاث حقائق مترابطة. الأولى أن الجزائر تعرضت لخرق أمني خطير في يوم كان يفترض أن يكون من أكثر الأيام تأمينا وحساسية. والثانية أن السلطة اختارت الصمت والتكتم بدل الوضوح السريع، ما عمق الشعور بالأزمة بدل أن يحد منه. والثالثة أن دوائر موالية للنظام سارعت إلى حملة تضليل رخيصة ضد المغرب، في محاولة للهروب من وقع الصدمة الداخلية. وبين هذه المستويات كلها، لم يعد ما وقع في البليدة مجرد تفجيرين فحسب، بل صار كشفا مضاعفا لهشاشة أمنية وارتباك رسمي وعجز سياسي وإعلامي فضل الهروب إلى الأكاذيب بدل مواجهة الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى