في ندوة “العلوم الجنائية”.. الأمن الوطني يستعرض “الترسانة التكنولوجية” لفك لغز الجريمة المعقدة (صور)
في ندوة “العلوم الجنائية”.. الأمن الوطني يستعرض “الترسانة التكنولوجية” لفك لغز الجريمة المعقدة (صور)

![]()
شهد رواق المديرية العامة للأمن الوطني بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، تنظيم ندوة علمية، ناقشت دور العلوم الجنائية في تحقيق العدالة، حيث قدم والي الأمن عبد الرحمن اليوسفي، رئيس القسم التقني وتدبير المخاطر بمعهد العلوم والأدلة الجنائية، عرضا أكاديميا وميدانيا مفصلا، سلط الضوء على البناء الهيكلي والتقني الذي تعتمده المؤسسة الأمنية المغربية في فك لغز الجرائم المعقدة، معتبرا أن الدليل العلمي يشكل حجر الزاوية في بناء المحاكمة العادلة وضمان سيادة القانون.
وفي هذا السياق، استعرض والي الأمن المسار الزمني لتطور الشرطة التقنية والعلمية بالمغرب الذي انطلق منذ عام 1965 وصولا إلى إحداث معهد العلوم والأدلة الجنائية عام 2019، مرورا بمحطات مفصلية أبرزت الحاجة الملحة لتطوير الآليات خاصة بعد أحداث 2003 الإرهابية، مما أدى إلى اعتماد أنظمة رقمية متطورة مثل نظام “الإيفيس” للتعرف الآلي على البصمات، وإطلاق البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، وهو ما يعكس الرؤية الاستباقية للمديرية العامة للأمن الوطني في مواكبة الطفرات التكنولوجية العالمية.

وتوقف ذات المسؤول عند “نظرية لوكارد للتبادل” التي تؤكد أن كل اتصال بين المجرم ومسرح الجريمة يترك أثرا لا يمكن محوه، موضحا أن هذه الآثار والعلامات هي الشاهد الصامت الذي يمكن الخبراء من إعادة تمثيل النشاط الإجرامي، وربط الفعل بفاعله بدقة متناهية، وقد أبرز العرض الهيكل التنظيمي للمعهد الذي ينقسم إلى مصالح متخصصة في تطوير الكفاءات والبحث العلمي وأخرى للموارد والدعم الميداني، تضم مختبرات للبيولوجيا الشرعية وعلم السموم والتشخيص الوراثي.
وتناول والي الأمن عبد الرحمن اليوسفي حدود الدليل العلمي والأخطاء القضائية التي قد تنتج عن التفسيرات البشرية أو العينات المتعفنة، مؤكدا أن قوة الدليل المادي تفرض على الخبير التحلي بأقصى درجات اليقظة العلمية، كما فصّل في عمل الفرق الجهوية التي تضم أزيد من 800 تقني متخصص في مسرح الجريمة، والذين يعملون وفق بروتوكولات صارمة تضمن سلامة المحجوزات من لحظة رفعها إلى حين وصولها إلى قاعة المحكمة كبينة لا تقبل الشك.
وتضمنت الندوة شرحا دقيقا لمسار الدليل المادي الذي يبدأ من قاعة المواصلات مرورا بمسرح الجريمة ومركز الاحتفاظ بالعينات وصولا إلى المختبرات الوطنية والجهوية، حيث يتم استغلال التكنولوجيا في تحليل الآثار الرقمية والخبرة على الأسلحة والذخيرة، مع الاعتماد على مجهرية دقيقة لفحص الوثائق الإدارية والعملات، وهي عمليات معقدة.

ومن جهة أخرى، ركز العرض على أهمية التكوين المستمر وتحديث الآليات التقنية كمرتكزات أساسية لحماية مسرح الجريمة، حيث تتوفر المديرية العامة للأمن الوطني على وحدات مركزية متخصصة في تشخيص ضحايا الكوارث والكشف عن المتفجرات والمواد النووية والكيميائية، مما يجعل المنظومة الأمنية المغربية نموذجا يحتذى به في الدقة والاحترافية، ويسهم بفعالية في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية من خلال تقديم أدلة علمية قاطعة تخدم مجرى العدالة.
ومن جهتها، أكدت العميدة الإقليمية الدكتورة حكيمة يحيى، رئيسة المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، خلال مداخلتها، أن المنظومة الأمنية المغربية قطعت أشواطا حاسمة في الانتقال من البحث الجنائي التقليدي القائم على الاعتراف إلى البحث العلمي المرتكز على قوة الدليل المادي، حيث أوضحت أن المختبر الوطني بات يشكل ترسانة تكنولوجية متطورة تضع خبراتها في خدمة القضاء لضمان محاكمات عادلة تستند إلى معطيات قطعية، مشيرة إلى أن الإطار المفاهيمي للعلوم الجنائية الحديثة يتجاوز مجرد فحص الآثار ليصبح إجراء علميا وتقنيا متكاملا يهدف إلى تفسير الأدلة وتقديم آراء فنية دقيقة تساعد في استجلاء الحقيقة.
وتناول العرض العلمي، مرتكزات فلسفية وتقنية عميقة، حيث استحضرت مبدأ “بول كيرك” حول تفرد الأجسام، مؤكدة أن الطبيعة لا تكرر نفسها وأن كل عنصر مادي يحمل بصمته الخاصة التي لا تشبه غيرها، وهذا التفرد هو ما يمنح الدليل الجنائي قوته الثبوتية عند مقارنة الآثار المرفوعة من مسرح الجريمة مع أصلها لدى المشتبه بهم، كما أوضحت أن المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية نجح في مأسسة هذه المفاهيم عبر بنية تحتية متطورة تلتزم بالمعايير الدولية، مما مكنه من الحصول على شهادة الاعتماد العالمي “ISO/IEC 17025” منذ عام 2013، ليصبح بذلك مؤسسة مرجعية تقدم خبرات دقيقة وموضوعية تدعم مجرى القضايا الجنائية وتحقق اليقين القضائي.

وفصلت الخبيرة الأمنية في الآليات الحديثة التي يعتمدها المختبر لتحديد الهوية وتفكيك طلاسم الجرائم، مشيرة إلى الطفرة النوعية في استخدام البصمات الوراثية “DNA” والخبرات السمومية والباليستية، بالإضافة إلى تقنيات “البيومتريا” الناشئة التي تشمل التعرف على الوجه ونبرة الصوت، وقد أبرزت الدكتورة أن المختبر يمتلك نطاق اعتماد واسع يشمل تخصصات دقيقة تساهم في تحليل هوية الجناة والضحايا بدقة متناهية، وهو ما يعكس التزام المديرية العامة للأمن الوطني بتطوير السلسلة الجينية والتقنية وتوفير قواعد بيانات ضخمة، تضمن تتبع النتائج باحترافية عالية وتجعل من الدليل العلمي وسيلة لا تقبل الجدل في حماية الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الناجزة.
وتحدثت الدكتورة حكيمة يحيى عن هيكلية المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، الذي يضم أقساما متخصصة في البيولوجيا الشرعية والتشخيص الوراثي وقواعد بيانات الحمض النووي “DNA”، إضافة إلى المختبرات الكيميائية التي تعنى بتحليل المواد المتفجرة والمخدرات وعلم السموم، وهذه التخصصات تعمل وفق تكاملية مؤسساتية تضمن جودة التحليلات، كما استعرضت القدرات التحليلية الهائلة التي توفرها تقنيات الجيل الجديد للتحليل الجيني “High-Throughput Genotyping” ونظام “CODIS”، وهي أدوات تقنية رفيعة المستوى تمكن من فك أعقد الرموز البيولوجية وتقديم إجابات حاسمة في القضايا الجنائية وقضايا إثبات النسب وفحص العظام.
وأبرزت المداخلة الدور المحوري الذي تلعبه الخبرات التقنية في مجال محاربة الجريمة المنظمة والاتجار في السموم، حيث يضطلع قسم المخدرات والمؤثرات العقلية بمهام فحص المستحضرات الطبية والمواد العضوية والمعدنية بدقة متناهية، بالتوازي مع عمل أقسام الخبرة على الوثائق المزورة والأسلحة والذخيرة وتحليل الآثار الرقمية، وقد اعتبرت رئيسة المختبر الوطني أن هذا التنوع التخصصي يعزز من فاعلية المخطط الأمني الوطني في مواجهة الأنماط الإجرامية المستجدة، مع الالتزام الصارم بمعايير الجودة والمترولوجيا التي تضمن سلامة النتائج العلمية المحصلة ومصداقيتها أمام الهيئات القضائية.



