سياسة

المناظرة الوطنية البحرية تدعو إلى إحداث مجلس أعلى للبحر وتعزيز الرقمنة والتبسيط الإداري (صور)

المناظرة الوطنية البحرية تدعو إلى إحداث مجلس أعلى للبحر وتعزيز الرقمنة والتبسيط الإداري (صور)

Loading

شكلت فعاليات المناظرة الوطنية البحرية، المنظمة تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، والتي حملت شعار “المغرب، أمة بحرية صاعدة”، موعدا استراتيجيا ومنصة رفيعة المستوى جمعت ثلة من المسؤولين الحكوميين والخبراء والفاعلين الاقتصاديين المغاربة والأجانب، الذين تداولوا في آفاق تطوير الاقتصاد الأزرق، وبحثوا السبل الكفيلة بتحويل المملكة إلى قطب بحري إقليمي ودولي يربط بين القارات، ويستجيب للتحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم.

وفي هذا السياق، توزعت النقاشات المكثفة بين جلسات علمية واستراتيجية لامست العمق البنيوي والتشريعي للمنظومة البحرية الوطنية، حيث انكبت الجلسة النقاشات على تفكيك معضلات الحكامة وعصرنة الإطار التنظيمي بمشاركة وازنة من المنظمة البحرية الدولية ومديرية الملاحة التجارية ومديرية الموانئ والملك العمومي البحري، إلى جانب مؤسسات التدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وقطاع الصيد البحري، وهو ما أتاح صياغة رؤية مندمجة تروم تحديث الإدارة البحرية وتكريس السيادة اللوجستية للمملكة وتثمين مؤهلاتها الاستراتيجية في مواجهة تحديات الأمن البحري المستقبلي.

حكامة تشريعية وتطوير استراتيجي للأسطول التجاري الوطني

وانصبت الرؤى المشتركة للمسؤولين والخبراء على ضرورة صياغة هندسة جديدة لحكامة القطاع البحري، تتجاوز التشتت التدبيري وتؤسس لالتقائية حقيقية بين مختلف المتدخلين، حيث جرى التأكيد على أن بناء قوة بحرية إقليمية يستوجب مراجعة شاملة وتحيينا عاجلا للنصوص القانونية المنظمة للمجال، مع الإسراع في وتيرة التحول الرقمي وتبسيط المساطر الإدارية، وتأهيل العنصر البشري والتقني القادر على مواكبة المعايير الدولية المعمول بها في الملاحة التجارية المعاصرة.

وأفرزت هذه النقاشات المؤسساتية عن توصية جوهرية تدعو إلى إحداث مجلس وطني أعلى للبحر، ليكون إطارا مرجعيا للتنسيق الاستراتيجي بين القطاعات الوزارية والشركاء الاقتصاديين، موازاة مع إعداد استراتيجية بحرية وطنية موحدة، تسعى في أهدافها الكبرى إلى إعادة إحياء الأسطول التجاري المغربي، وتمكينه من مقومات التنافسية الدولية بما يضمن تأمين الإمدادات الحيوية للمملكة، ويدعم ديناميتها التنموية المتصاعدة بروح من الكفاءة والاستقلالية السيادية.

وتوسعت دائرة النقاش لتشمل آليات تطوير الأسطول البحري عبر دراسة التجارب الدولية الناجحة ونماذج التمويل المبتكرة، حيث دعا المتدخلون إلى وضع ميثاق استثماري خاص بالقطاع البحري يتضمن تحفيزات ضريبية وضمانات مالية مرنة تشجع الرساميل الوطنية والأجنبية على الاستثمار في السفن الحاملة للعلم المغربي، مع تفعيل شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص لتأسيس منظومة متكاملة قادرة على مجابهة التحولات الجيو-اقتصادية وتأمين خطوط الملاحة التجارية.

لوجستيك ذكي وممرات أطلسية نحو الاستدامة البيئية

وشكلت اللوجستيك البحرية محورا بارزا في جلسات المناظرة باعتبارها رافعة أساسية للنمو الاقتصادي والتنافسية الصناعية، حيث ركز المشاركون على ضرورة تحقيق ربط بين البنيات التحتية المينائية وشبكات السكك الحديدية والطرق السيار، بما يضمن تدفقا سلسا للبضائع ويخفض من الكلفة اللوجستية للصادرات المغربية، مبرزين الأثر الإيجابي لتطوير مناطق لوجستية مندمجة بجوار الموانئ الكبرى تحاكي نجاح الإيكولوجيا الصناعية لقطاع السيارات.

واحتلت رقمنة الخدمات المينائية حيزا هاما من المداولات، إذ تدارس الخبراء نظم الأداء الإلكتروني والمنصات الرقمية الموحدة والحلول الذكية الموجهة لتسهيل العبور عبر الحدود، مع الدعوة إلى إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التدبير اللوجستي لتعزيز القدرة على التنبؤ الاستباقي وتدبير التدفقات، مما ينعكس إيجابا على إنتاجية الموانئ ويقوي من جاذبية التجارة الخارجية المغربية في الأسواق العالمية، لاسيما في اتجاه الفضاء الإفريقي والأطلسي.

ولم تغب رهانات الاستدامة والتحول الطاقي عن التفكير الاستراتيجي للمجتمعين، حيث حظي موضوع إزالة الكربون من الأنشطة المينائية والبحرية باهتمام خاص، والتزم المتدخلون بضرورة انخراط الموانئ المغربية في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة وحماية الشريط الساحلي، تماشيا مع التعهدات الدولية للمملكة المغربية في مجال التنمية المستدامة، والعمل على تموقع البلاد مستقبلا كمركز لإنتاج وتزويد السفن بالوقود الأخضر والنظيف.

وتوجت هذه النقاشات المعمقة بإصدار حزمة من التوصيات العملية التي تروم تسريع خلق ممرات لوجستية ذكية مع الدول الإفريقية، وتكثيف التنسيق بين الفاعلين في سلسلة الإمداد، وهو ما يعكس رغبة المغرب الأكيدة في ترسيخ مكانته كبوابة لوجستية قارية ونقطة ارتكاز جيو-استراتيجية تربط القارة الإفريقية بالعمق الأطلسي والفضاء الأوروبي، تجسيدا للرؤية الملكية السديدة التي تطمح إلى جعل المملكة فاعلا بحريا لا محيد عنه في الساحة الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى