تدخلات أمنية .. تثير الجدل. مينيابوليس امريكا إلى بولونيا إيطاليا
تدخلات أمنية .. تثير الجدل. مينيابوليس امريكا إلى بولونيا إيطاليا

![]()
من جورج فلويد إلى عبد الرحيم فقير… هل تنتهي مهمة الشرطي عند تصفيد المشتبه فيه أم تبدأ عندها مسؤوليته الكبرى؟
هناك صور لا تبقى حبيسة ذاكرة الهواتف، بل تستقر في ذاكرة الإنسانية. صور تهز الضمير أكثر مما تهز الرأي العام، لأنها لا تروي مجرد واقعة أمنية، بل تطرح سؤالًا وجوديًا حول حدود القوة عندما تصبح حياة الإنسان بين يدي السلطة.
قبل ست سنوات، دوّى اسم جورج فلويد في كل أنحاء العالم بعد أن وثقت الكاميرات لحظاته الأخيرة وهو يردد: “لا أستطيع التنفس”، قبل أن يفارق الحياة أثناء عملية توقيف في مدينة مينيابوليس الأمريكية. واليوم، يعود المشهد ليفرض نفسه من جديد، مع وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير خلال تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية، بعدما أظهرت التسجيلات المتداولة لحظات توقيفه وهو يستغيث ويطلب المساعدة قبل أن يفقد الاستجابة، في مشاهد أعادت إلى الأذهان، لدى كثيرين، تفاصيل القضية الأمريكية، رغم اختلاف الوقائع والسياقات القانونية.
وبين المشهدين، لا يقتصر التشابه على الصورة، بل يمتد إلى الجدل الذي أعقبها. وإن كان القضاء وحده هو من سيحسم الأمر ويحدد المسؤوليات القانونية في القضية الإيطالية كما حسم القضاء الأمريكي قضية جورج فلويد جنائيا فإن مناقشة طبيعة التدخل الأمني باعتباره خدمة عمومية أو سلوك مهني، لا تنتظر الأحكام، مادام يتعلق بفلسفة وبروتوكولات التدخل الأمني نفسه وتموقعه بين الحق والواجب، وكذا بالسؤال الذي يشغل خبراء الأمن وحقوق الإنسان على السواء: متى يجب أن تتوقف القوة؟
في العقيدة الأمنية الحديثة، لا تُستخدم القوة إلا بالقدر الضروري لتحييد الخطر. وحين تنجح الشرطة في السيطرة على الشخص وتصفيده، فإن طبيعة المهمة تتغير جذريًا. فالموقوف لم يعد مصدر خطر أو طرفا في مواجهة ميدانية، بل أصبح إنسانًا في عهدة الدولة، تنتقل مسؤولية رجال الأمن من السيطرة عليه إلى حمايته، ومن إنهاء مقاومته إلى الحفاظ على حياته وسلامته حتى يمثل أمام العدالة
ومن المهم التأكيد على أن حادثة جورج فلويد لم تكن دليلًا على أن أجهزة الشرطة في العالم تعتمد، في الأصل مرجعية الأساليب العنيفة والقوى المفرطة في الاعتقال. فآلاف عمليات التوقيف تُنفذ يوميًا في مختلف الدول دون أن تثير أي اهتمام، لأنها تنتهي وفق القواعد المهنية. وما يجعل بعض الوقائع تتحول إلى أحداث عالمية هو أنها تمثل استثناءات مأساوية تُوثق بالصوت والصورة، فتثير نقاشًا واسعًا حول حدود استخدام القوة وضرورة مراجعة الممارسات عند وقوع أخطاء.
فالعمل الأمني، شأنه شأن الطب أو الطيران أو القضاء، ليس معصومًا من الخطأ. غير أن الفرق بين مؤسسة مهنية وأخرى لا يكمن في الادعاء بأن الأخطاء لا تقع، وإنما في القدرة على الاعتراف بالأخطاء إذا ثبتت، واستخلاص الدروس منها، وتطوير أساليب العمل حتى لا تتكرر المآسي. فهذه هي الطريق التي تتقدم بها المؤسسات، وتترسخ بها الثقة بين المواطن والدولة.
وفي هذا السياق، يبرز التطور الذي تعكسه العديد من التدخلات الأمنية الموثقة في المغرب. فمن يتابع التسجيلات الرسمية او تلك التي التقطها عدسات هواتف المراسلين الصحفيين- أو عامة المواطنين- لعمليات التوقيف يلاحظ أن فلسفة التدخل تقوم على ثلاث مراحل متكاملة: المباغتة السريعة، والسيطرة الحاسمة، ثم الانتقال الفوري إلى تأمين الموقوف وحمايته. فكلما انتهت المقاومة، انتهى معها مبرر استمرار الضغط الجسدي، لتبدأ مرحلة جديدة يكون عنوانها الحفاظ على سلامة الشخص الموجود في عهدة الشرطة.
ولم يعد نجاح العملية الأمنية يقاس فقط بسرعة القبض على المطلوب، بل أيضًا بقدرة عناصر الأمن على إنهاء التدخل دون تعريض أي شخص للخطر. فالموقوف، مهما كانت التهم المنسوبة إليه، لا يفقد حقه في الحياة ولا في السلامة الجسدية، بل تصبح هذه الحقوق، منذ لحظة تقييده، مسؤولية مباشرة على عاتق الدولة.
إن هذا التحول يصنع فارقًا أخلاقيًا وحقوقيًا وإنسانيًا بالغ الأهمية. فاحترافية رجل الأمن لا تظهر فقط في قدرته على استخدام القوة عندما تفرضها الضرورة، بل في شجاعته المهنية لإنهاء استخدامها بمجرد زوال تلك الضرورة. فالقوة ليست غاية، وإنما وسيلة مؤقتة، أما الحماية فهي واجب دائم. فكلما انخفض مستوى الخطر، انخفض مستوى القوة، وكلما أُحكمت الأصفاد، بدأت مسؤولية الحماية.
ذلك هو الفارق الحقيقي بين شرطة تكتفي بإنجاز الاعتقال، وشرطة تجعل من حماية الإنسان جزءًا من نجاح الاعتقال نفسه. وحين تبلغ المؤسسة الأمنية هذه المرحلة، فإنها لا تفرض القانون بالقوة وحدها، بل تفرضه أيضًا بالاحترافية، وبالوعي بأن أعظم انتصار للشرطة ليس إسقاط المشتبه فيه أرضًا، وإنما تسليمه حيًا إلى العدالة، حيث تنتهي سلطة القوة وتبدأ سلطة القضاء.



