تدوينات علي أنوزلا تتأرجح بين شرعية النقد.. وفخ التناقض والشخصنة
تدوينات علي أنوزلا تتأرجح بين شرعية النقد.. وفخ التناقض والشخصنة

![]()
تُعد أحداث سبتة الأخيرة واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ تدبير المغرب لملف الهجرة غير النظامية الشائك، نظراً لتداخل الأبعاد الإنسانية، والسياسية، والدبلوماسية فيها.
وفي خضم هذه الأزمة، جاءت تدوينة علي أنوزلا لتوجيه نقد لاذع للأداء التواصلي لأحد وزراء الحكومة. ورغم أن من حق أي مراقب أو مدون أن ينتقد الخطاب الرسمي، إلا أن قراءة متأنية لنص أنوزلا تكشف أنه استبدل التحليل السياسي الرصين بشحنة غضب أوقعته في تناقضات جوهرية أضعفت موقفه وأفقدت مقاربته بوصلتها المنطقية.
اضطراب الرؤية حول الفاعل السياسي ومصدر القرار
أولى التناقضات الصارخة التي يطالعنا بها هذا النص التحاملي ، هي عندما استهلّ علي أنوزلا تدوينته بتساؤل استنكاري حول من خوّل الوزير عبد اللطيف وهبي للحديث في موضوع الهجرة ، مفترضاً أنه ربما “تحول من تلقاء نفسه” إلى ناطق غير رسمي، في محاولة لإظهار أن هناك حالة من التسيب والفوضى داخل الأغلبية الحكومية. لكنه، وفي الفقرات الموالية، ينفي هذا الطرح تماماً ليؤكد بقطع جارم أنه “من الصعب أن يصدق أحد أنه يتصرف من تلقاء نفسه”، موجهاً أصابع الاتهام إلى من وصفهم ب “صناع القرار” الذين دفعوا به للواجهة.
وهذا التذبذب بين اعتبار الحدث مبادرة فردية طائشة وبين تسويقه كخطة مدروسة ومقصودة من الدولة لـ “إهانة المغاربة”، يكشف عن غياب رؤية تحليلية واضحة؛ فعلي أنوزلا يريد إدانة الوزير بصفته متطفلاً، ويريد في ذات اللحظة إدانة الدولة بصفتها المخطط الماكر، وهما نقيضان لا يستقيمان في تحليل سياسي واحد، إلا في عبثية التحليل الذي قدمه علي أنوزلا بكثير من النزق والاندفاع.
شخصنة النقاش والهروب نحو الترف المعجمي
من أبرز نقاط الضعف في التدوينة هو الانزلاق الواضح نحو “الشخصنة” بدل مقارعة الحجة بالحجة، فقد اختزل الكاتب أزمة دبلوماسية وتواصلية معقدة في السخرية من طريقة كلام الوزير، متحدثاً عن “تلعثمه”، و”لحنه في الكلام”، و”نصب المرفوع” و”رفع المجرور”.
إن تحويل نقد السياسات العامة إلى تنمر لغوي وتقييم لمهارات النطق يُفرغ النقد من جديته، كما يمتد هذا الضعف حين يلجأ الكاتب إلى تفكيك لغوي للتفريق بين كلمتي “جثث” و”جثامين”. ورغم صحة التفريق اللغوي الذي ساقه، إلا أن توظيفه في سياق تقييم أداء وزير في مقابلة تلفزيونية مباشرة يبدو أقرب إلى الترف الفكري والاصطياد في الماء العكر؛ فالخطاب السياسي في لحظات الضغط لا يُقاس بمعايير الشعر الجاهلي، واستعمال مصطلح “جثث” هو استخدام إداري وقانوني شائع لا يحمل بالضرورة نية مبيتة لإهانة الموتى كما حاول النص تصويره بعاطفية مبالغ فيها.
اختزال الدبلوماسية والتنبؤات المجانية
يصل علي أنوزلا في نقده إلى وصف ربط استعادة جثامين الضحايا بملف القاصرين بأنه “ابتزاز كلبي”، متجاهلاً تماماً تعقيدات الواقعية السياسية (Realpolitik) التي تحكم العلاقات بين الدول في أوقات الأزمات الحدودية.
فالتفاوض الدبلوماسي، مهما بدا قاسياً من منظور أخلاقي مجرد، يعتمد غالباً على مقاربة الملفات الشاملة (Package deals)، حيث أن تقديم الأمر وكأنه مجرد انعدام للإنسانية هو تسطيح لملف شائك يتعلق بالسيادة وأوراق الضغط المتبادلة بين المغرب وإسبانيا.
ولتغطية هذا التسطيح التحليلي، قفز الكاتب في نهاية نصه نحو المستقبل بتنبؤات لا تستند إلى أي معطى ملموس، مدعياً أن هذا الوزير ستتم ترقيته إلى “وزير دولة” كمكافأة له، وهذا الرجم بالغيب بالذات هو ما يحول التدوينة من قراءة في أزمة راهنة إلى محاكمة لنوايا مستقبلية وتصفية حسابات سياسية مسبقة.
وفي النهاية، إن نقد الأداء الحكومي هو ضرورة ديمقراطية لا غنى عنها، ولكن عندما يختلط النقد بالشخصنة، وتتضارب الاستنتاجات، وتُستبدل التحليلات العميقة بالتشريح اللغوي والتنبؤات العاطفية، فإن الخطاب النقدي يفقد بوصلته، ويصبح هو نفسه بحاجة إلى من يحلل تناقضاته ويكشف خلفياته العدمية والحاقدة.


