مجتمع

شوهة.. غباء الاستخبارات الجزائرية تبيع الأوهام والمغالطات ..  

Loading

الخبر الذي يروّجه الكبرانات عن توقيف 61 مغربيا ليس مجرد دعاية، بل هو عرض مرضي يكشف عن اضطراب نفسي جماعي داخل النظام العسكري الجزائري…

آخر ما جادت به هذه المخابرات الجزائرية هو رواية تتحدث عن توقيف 61 مغربياً، مع تقديم مزاعم حول مخططات تخريبية في قالب أمني مثير، وكأن مجرد حشد الأرقام كافٍ لصناعة قضية مكتملة الأركان.

ولعل آخر ما اهتدى إليه النظام الجزائري، وهو يكذب ويكذب، ويكذب على شعبه، متوهما في رواية محبوكة سلفا، مع تقديم مزاعم حول مخططات تخريبية في قالب أمني مثير للاستغراب.

أغنية “استخبارات الجيران DZ“

طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ❁
مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ ❁

وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ❁
رَبِّ فَاجْعَلْ مصيرنا ❁
غَايَتُهْ حُسْنُ الْخِتَامْ ❁

وَأَبْلِغِ الْشعب عَنَّا ❁
مِنْ صَلَاةٍ الجنازة  وَسَلَامْ ❁

المثير في الرواية أن استوديوهات “مخابرات عبلة” العريقة تتحفنا من جديد بتحفة سينمائية فريدة تتجاوز حدود الخيال العلمي، متجاوزة أعتى أفلام هوليوود في الإخراج الرديء. فبعد سلسلة من الإنتاجات الفاشلة، فقد طالعتنا الجارة الشرقية بملحمة درامية جديدة بطلها 61 مغربيا تم “القبض عليهم” بزعم التحضير لأعمال تخريبية، وكأن المغرب أصبح يوزع الخلايا الإرهابية في حقائب السفر والسياحة. السينوغرافيا وحدها تكفي لتشغيل عقول لجان التحكيم في المهرجانات الكوميدية؛ طاولة بيضاء مرصوصة بعناية فائقة، مصفوفة عليها جوازات السفر الخضراء والهواتف المحمولة كأنها كنز عُثر عليه في مغارة علي بابا.

أما كواليس التصوير فحدث ولا حرج، حيث الكاميرات وطائرات الدرون تحوم في السماء كأنها تحاصر أخطر عصابة مافيا كونية، بينما التقرير خال تماما من أي دليل حقيقي سوى الصخب الفارغ،  وكالعادة في هذه المسرحيات الرديئة، يبدو أن المخرج استعان بقاعدة “اللي كان دايز فالزنقة شقموه”، ويقول له: “أجي وقف تما، دير راسك مجرم خطير باش نصورو ليك شي لقطة سينمائية”!.

هذا الإبداع الاستخباراتي ليس سوى محاولة بائسة لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية الحارقة وطوابير المواد الأساسية التي تثقل كاهل المواطن هناك. فعوض الالتفات لهموم الشعب الحقيقية، تفضل السلطات عرض مسرحيات مجانية هزلية ببطولات وهمية، ضحك فيها العقل قبل القلب.
وحدها الجزائر المسكينة الغارقة في الدكتاتورية العسكرية، المسرفة في حكم العسكر، التي لا تخجل من نفسها، ووحده النظام الجزائري الذي يربي الكذب مثلما يربي السجين والعاطل عن العمل الأمل، كما قال محمود درويش. فأذناب العسكر يبحثون عن أي شيء حتى لو كان رياضيا ليطفئوا جذوة خسائرهم الملتهبة والمتواترة في كل مجالات الحياة العامة.

والكذب علامة مميزة لنظام يتنفس البروباغندا في زمن المشاكل البنيوية، التي ستقوده إلى انفجار اجتماعي قريب.

إنه حال الجزائر الجديدة، التي يبشر بها عبد المجيد تبون وسعيد شنقريحة، حيث الكذب هو اللغة الرسمية للإعلام الممول من جيوب الجزائريين، وحيث نشر الأخبار الزائفة مسألة وطنية يتنافس فيها المتنافسون، ويجازى عليها البارعون في الكذب كلما كان المستهدف هو المغرب، فهم يربون شعوبهم على أن الكذب في حق العدو الكلاسيكي من مواطن الكذب الحلال، ناسين بأن حبل الكذب قصير، خصوصا في زمن الإعلام البديل.

وبدلاً من الاعتراف بأن الأمر لا يعدو أن يكون عمالاً مهاجرين تقطعت بهم السبل، يختار نظام الكابرانات اختلاق “البعبع المغربي” لتغطية عوراته الداخلية، وتبرير قراراته الانفعالية كفرض التأشيرة، وتصدير أزماته المتراكمة نحو الخارج. انها مسرحية مفضوحة سقطت قبل أن تبدأ!

البروباغندا العسكرية وعقدة “العدو الكلاسيكي” أو المغرب كما يسميه البوال شنقريحة

  تُشكل البروباغندا إحدى الركائز الأساسية التي يعتمد عليها النظام العسكري الجزائري لتصريف أزماته الداخلية، عبر صناعة “عدو كلاسيكي وهمي” متمثل في المملكة المغربية، في محاولة مستمرة لتوجيه الرأي العام المحلي بعيداً عن المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تتخبط فيها بلاد غنية بالثروات الطبيعية.

وتتخذ هذه الدعاية أسلوباً فريداً يضاهي الأفلام الهوليودية، حيث يتم فجأة الإعلان عن تفكيك خلايا تخريبية وشبكات تجسس مفبركة تُنسب كلياً إلى مغاربة، وكان آخر فصول هذه الإثارة السينمائية ما أعلنته السلطات الجزائرية في 11 أكتوبر 2026 حول توقيف 61 مواطناً مغربياً في مدينة وهران بتهم التخطيط لـ”أعمال تخريبية”.

هذه العملية التي جرى حبكها بمسار سينمائي معقد يزعم تنقلهم جوّاً من المغرب إلى تونس ثم تسللهم برّاً عبر الغابات الكثيفة نحو الغرب الجزائري.

محطات الإخراج السينمائي

  تتعدد محطات الإخراج السينمائي في إعلام النظام الجزائري لترسيخ نظرية المؤامرة ضد المغرب، ومن أبرز العمليات الهوليودية فقط هذه الأمثلة من المسرحيات لأن اللائحة طويلة: مسرحية حرائق الغابات وربطها بالمغرب وإسرائيل (غشت 2021): في سياق تبرير عجزها عن السيطرة على حرائق الغابات المهولة التي اجتاحت منطقة القبائل والشمال الجزائري، وجهت الرئاسة الجزائرية اتهاماً مباشراً للمملكة المغربية بالتورط في إشعال تلك الحرائق بالتنسيق مع منظمات معارضة وإسرائيل.

 ثم مسرحية نفق تهريب المخدرات الممتد تحت الحدود (نونبر 2023): في محاولة لصناعة سيناريو يبرر الفشل الأمني في ضبط الحدود، بث التلفزيون الرسمي الجزائري تقريراً إخبارياً يزعم فيه اكتشاف السلطات الأمنية لنفق سري ضخم يمتد من الأراضي المغربية مباشرة إلى منطقة “باب العسة” الحدودية في ولاية تلمسان الجزائرية، مدعياً أنه يُستعمل لتهريب المخدرات نحو البلاد.

 هذا السيناريو قوبل بسخرية واسعة من لدن المراقبين لافتقاره لأدنى المقومات الجيولوجية والهندسية والمنطق العسكري لتنفيذه في منطقة حدودية مستنفرة.

اما المسرحية الثالثة فتتلخص في اتهام المغرب ببناء سدود لاستنزاف مياه نهر “كير” وإحداث الجفاف (غشت 2024)، ولم تقتصر البروباغندا الجزائرية على الجوانب الأمنية فحسب، بل امتدت لتشمل الكوارث الطبيعية، فحين عانت البلاد من أزمة جفاف خانقة، وشح في المياه نتيجة التغيرات المناخية، خرجت جهات رسمية جزائرية ببيان هوليودي يتهم المملكة المغربية بالتسبب عمداً في جفاف الجزائر عبر بناء سدود مفرطة على نهر “كير”.

 وصاحبت ذلك حملة إعلامية تزعم نية الجزائر مقاضاة المغرب دولياً، لامتصاص غضب الفلاحين والشارع الجزائري من غياب البنية التحتية المائية وضياع المحاصيل.

مسرحية “شبكة التجسس المغربية” قبل أسبوع من الانتخابات الرئاسية (شتنبر 2024)

 في توقيت سياسي بامتياز وقبل أسبوع واحد فقط من الانتخابات الرئاسية الجزائرية، أعلنت النيابة العامة بمدينة تلمسان عن تفكيك شبكة تجسس وتخابر مفبركة، زعمت الرواية الرسمية توقيف رعايا مغاربة قاموا بتجنيد مواطنين جزائريين بهدف “المساس بمؤسسات أمنية وإدارية”، في إخراج هوليودي كلاسيكي يُستدعى عند كل استحقاق انتخابي لشحن الجبهة الداخلية ضد خطر خارجي متمثل في الجار الغربي.

 توقيف مغاربة في تيزي وزو بتهمة التشويش على الانتخابات (يوليوز 2026)

امتداداً لنفس الأسلوب السينمائي، أعلن الجيش الجزائري عن توقيف شبكة تضم أربعة مواطنين مغاربة في منطقة تيزي وزو، التهمة الجاهزة حينها كانت الانتماء إلى حركة “الماك” الانفصالية، والقيام بعمليات تحريض تهدف إلى التشويش على سير الانتخابات التشريعية الجزائرية ومنع المواطنين من التصويت، في سيناريو افتقر لأبسط المعايير والقرائن القضائية المستقلة.

إن اللجوء المستمر لقصر المرادية إلى تسويق هذه القصص البوليسية المفبركة يثبت بصورة قاطعة أن صناعة “العدو الوهمي المغربي” باتت مادة استهلاكية ضرورية لاستمرار شرعية النظام القائم.

 ولكن هذه العمليات الهوليودية تفتقر لأبسط شروط الواقعية والمنطق، وبدلاً من أن تسهم في عزل المغرب، أصبحت هذه السلوكيات تعزل المنظومة الإعلامية والسياسية الجزائرية دولياً، في مشهد يعبر عن إفلاس سياسي لا يجد مخرجاً لأزماته سوى في اختلاق مؤامرات وهمية خلف الحدود.

الكبرانات لا يستطيعون العيش بلا خبر مفبرك، كمدمن يحتاج جرعة يومية من الوهم ليخفي أعراض الانهيار.

 يهربون من مواجهة الفساد والفشل، فيختلقون قصصا عن شبكات تخريبية كآلية دفاعية نفسية.

 يبدو أن ماكينة الدعاية في الجارة الشرقية الجزائر، قررت دخول عالم الإنتاج السينمائي، لكن من بوابة الأعمال التي تثير السخرية أكثر مما تقنع المتابعين.

المثير في مثل هذه الروايات ليس ضخامة العناوين، بل الفجوة بين ما يُعلن وما يُفترض تقديمه من معطيات قابلة للتحقق.

فصور جوازات السفر والهواتف المحمولة، مهما أُحسن ترتيبها أمام الكاميرات، لا تتحول تلقائياً إلى أدلة على وجود مخطط إجرامي، كما أن المشاهد المصممة لإثارة الانتباه لا تغني عن عرض الوقائع التي تسمح للرأي العام بفهم حقيقة القضية.

والأدهى والأمر أن الخطاب الأمني، حين يتحول إلى عرض إعلامي محمّل بالإيحاءات والاتهامات، يصبح أقرب إلى صناعة الانطباعات منه إلى تقديم معلومات دقيقة، فالقضايا الخطيرة لا تُحسم بكثرة الصور ولا بحدة النبرة، وإنما بوضوح الأدلة وإمكانية فحصها بصورة مستقلة.

وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، كان الأجدر أن ينصب الاهتمام على معالجة انشغالات المواطنين بدل الانشغال بصناعة روايات مثيرة عن الخارج، فمهما ارتفعت جرعة الإثارة في الخطاب الإعلامي، تظل الحقيقة بحاجة إلى ما هو أكثر من إخراج متكلف وعناوين ضخمة.

وإلى المخابرات الجزائرية نقول: لم تستطيعوا خطف احترامنا لكم بذكائكم لكنكم بالفعل حيرتمونا بغبائكم.. فهلا رفعتم قليلا من المستوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى