حميد المهداوي: التشهير بنبرة ناعمة والتجييش بحماس والختام برقصة المظلومية
حميد المهداوي: التشهير بنبرة ناعمة والتجييش بحماس والختام برقصة المظلومية

![]()
في زحام المشهد الإعلامي، حيث يعلو الصوت قبل الفكرة، ويستهلك الحدث قبل التحقق، يطل علينا حميد المهداوي بوصفه ظاهرة تستحق الدراسة… أو على الأقل الابتسامة الساخرة، ليس لأنه أكثر صخبا من غيره، بل لأنه أتقن فنا خاصا، التشهير بنبرة منخفضة، والتجييش بحماس مرتفع، ثم الختام دائما برقصة المظلومية.
المهداوي لا يهاجم، فالهجوم عمل بدائي لا يليق بالمحترفين، هو يفضل “اللمسة الذكية”، سؤال يبدو بريئا، تحليلا يبدو عميقا، وتلميحا يبدو كأنه لم يقصد، هكذا تمر الاتهامات مرور الكرام، بلا توقيع، بلا بصمات، وكأنها مجرد سوء تفاهم إعلامي، النتيجة؟ تشهير أنيق، يرتدي بدلة الرأي الآخر وربطة عنق الموضوعية.
وإذا ما تجرأ أحدهم على الخروج عن النص، تنتقل الحكاية إلى المستوى الثاني، التجييش، فجأة تتحول المنصات إلى مسرح، والعناوين إلى مكبرات صوت، والجمهور إلى فرقة تشجيع لا تعرف سوى شعار واحد “معنا أو خارج القاعة”، لا وقت للأسئلة، ولا مساحة للتدرج، الخبر يضيع، المعلومة تتبخر، ويبقى فقط الدخان.
وبعد كل عاصفة يعود المهداوي إلى لعب دوره المفضل يلبس عباءة الضحية، وخطاب مظلومية متقن، يعاد فيه ترتيب المشاهد، هو المستهدف، هو المحاصر، وهو الذي يدفع ثمن “جرأته”، جرأة تظهر فجأة عندما يكون الخصم وحيدا، وتختفي بهدوء عندما يطلب الدليل أو يطرح السؤال المزعج، “من أين لك هذا؟”.
النساء والرجال الذين يمرون عبر هذا الأسلوب لا يظهرون كبشر، بل كعناوين جانبية في مسلسل تشويقي، تختزل حكاياتهم، تقص السياقات بالمقص، وتعاد مونتاج الوقائع لخدمة حبكة جاهزة، صحافة بلا تحقق، رأي بلا مسؤولية، وسخرية تبتسم وهي تمارس أقسى أشكال القسوة.
المشهد هنا لا يحتاج مزيدا من الضجيج، بل قليلا من العقل، صحافة تعرف الفرق بين النقد والتشهير، بين التنوير والتجييش، وبين الشجاعة والاستعراض، أما لعبة “التشهير الناعم” و”المظلومية الصاخبة”، فهي قد تحصد تصفيقا سريعا، لكنها تترك سؤالا ثقيلا يتردد، هل نتابع بحثا عن الحقيقة… أم لأن العرض ممتعا؟.



