جمعية الصويرة موكادور تعقد جمعها العام.. ثلاثة عقود من الإسهام في تنمية المدينة وتعزيز إشعاعها الحضاري
جمعية الصويرة موكادور تعقد جمعها العام.. ثلاثة عقود من الإسهام في تنمية المدينة وتعزيز إشعاعها الحضاري
![]()
الأنــــــباء: خالد ملحلي
تستعد جمعية الصويرة موكادور لعقد جمعها العام العادي، يوم الأحد فاتح نونبر 2026، ابتداء من الساعة الخامسة مساء بالفضاء الإجتماعي والثقافي دار الصويري، في موعد يجمع بين استحضار حصيلة سنة مضت وتجديد العزم على مواصلة مسيرة جمعية جعلت من الثقافة والحوار والتنمية ركائز أساسية لعملها.
ويتضمن جدول أعمال الجمع عرض التقريرين المالي والأدبي برسم سنة 2025 ومناقشتهما والمصادقة عليهما، إلى جانب تجديد عضوية أعضاء المكتب الإداري والتنفيذي، والمصادقة على النظام الأساسي للجمعية.
وهي محطة تنظيمية تتيح لأعضائها الوقوف عند حصيلة الأنشطة والتدبير، واستشراف آفاق المرحلة المقبلة، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات قادرة على صون الذاكرة المحلية وتعزيز الإشعاع الثقافي للمدينة.
غير أن أهمية هذا الموعد تتجاوز حدوده التنظيمية، لتستحضر مسيرة جمعية ارتبط اسمها، على امتداد عقود، بمحطات بارزة من التحول الذي عرفته مدينة الصويرة، وبمساع تروم جعل الثقافة رافعة للتنمية، والحوار جسرا للتواصل بين مكونات المجتمع، والانفتاح سبيلا لترسيخ قيم السلام والتعايش بين الثقافات والحضارات.

من جمعية الإنقاذ والإنعاش إلى جمعية الصويرة موكادور
تعود بداية الحكاية إلى 16 فبراير 1992، حين تأسست الجمعية بمبادرة من ابن الصويرة أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك، تحت اسم “جمعية إنقاذ، إنعاش وتنمية الصويرة”. وجاءت هذه المبادرة في مرحلة كانت المدينة تواجه فيها تحديات اقتصادية واجتماعية، وتعيش على وقع العزلة وضعف فرص الشغل وتراجع عدد من الأنشطة الإنتاجية، الأمر الذي جعل التفكير في مستقبلها مسؤولية تتطلب تضافر جهود أبنائها وفعالياتها ومؤسساتها.
وضمت الجمعية شخصيات من أبناء المدينة، راكموا تجارب في مجالات متعددة، كما امتد حضورها عبر فروع في مدن مغربية، من بينها الدار البيضاء ومراكش وأكادير.
وكان الرهان منذ البداية هو الانتقال بالصويرة من واقع التهميش إلى أفق أرحب، عبر تحريك إمكاناتها الاقتصادية والسياحية والاجتماعية والثقافية، وإعادة الاعتبار لمؤهلاتها التاريخية والإنسانية.
ومع التحولات التي عرفتها المدينة، اتخذت الجمعية سنة 1997 اسمها الحالي “جمعية الصويرة موكادور”، لتواصل مسيرتها بهوية أكثر ارتباطا بذاكرة المدينة وطموحها إلى استعادة مكانتها. كما حصلت على صفة المنفعة العامة سنة 2000، بما يعزز حضورها المؤسساتي ويتيح لها مواصلة العمل في مجالات الثقافة والتنمية وصيانة التراث.
زيارة أميرية خالدة في ذاكرة دار الصويري
تحتفظ جمعية الصويرة موكادور بذكرى زيارة أميرية تظل من المحطات المضيئة في تاريخها، حين زار جلالة الملك محمد السادس، وكان يومها وليا للعهد، مقر الجمعية بدار الصويري يوم 24 شتنبر 1992، بمناسبة تدشين ساحة أورسون ويلز بمدينة الصويرة.
وقد اكتسبت هذه الزيارة دلالة خاصة، لما اختزلته من تلاق بين المكان والذاكرة والإبداع، ففي رحاب دار الصويري، اطلع ولي العهد آنذاك، على معرض تشكيلي للفنان الصويري الحسين ميلودي، في لحظة امتزج فيها وهج الفن بأصالة المدينة، والتقت فيها رمزية الحضور الأميري بتعبيرات الإبداع المحلي.
وتستحضر الجمعية هذه المحطة باعتزاز بالغ، باعتبارها جزءا من ذاكرتها المؤسساتية وشاهدا على البدايات الأولى لمسارها الثقافي والمدني، فقد ظلت دار الصويري، منذ ذلك التاريخ، أكثر من مقر للجمعية، إنها بيت للذاكرة ومنبر للفن والحوار، وفضاء تتعانق بين جدرانه ملامح ماضي الصويرة مع تطلعاتها إلى مستقبل يصون هويتها ويعزز إشعاعها الحضاري
الثقافة.. بوابة الصويرة إلى العالم
لم يكن الرهان الثقافي بالنسبة إلى الجمعية مجرد تنظيم أنشطة موسمية أو احتضان أمسيات فنية، وإنما شكل مدخلا لإعادة اكتشاف الصويرة وتقديمها إلى العالم بوصفها فضاء للتعدد والتلاقح الحضاري والإبداع.
وفي هذا السياق، برزت جهود مرتبطة بإبراز القيمة التاريخية للمدينة، ودعم المبادرات التي أسهمت في تثمين تراثها المادي واللامادي، وتعزيز حضورها ضمن الخريطة الثقافية الدولية. وقد أدرجت المدينة العتيقة للصويرة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 2001، فيما أُدرج فن كناوة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية سنة 2019، وهو العام نفسه الذي انضمت فيه الصويرة إلى شبكة اليونسكو للمدن المبدعة. وتشكل هذه المحطات علامات بارزة في المسار الثقافي للمدينة.
ومن ثمار هذا الحراك الثقافي بروز تظاهرات اكتسبت شهرة وطنية ودولية، من بينها مهرجان كناوة وموسيقى العالم، ومهرجان الأندلسيات الأطلسية، ومهرجان موسيقى الأليزي، ومهرجان مواهب كناوة، ومهرجان الجاز تحت الأركان، إلى جانب مبادرات أخرى جعلت من المدينة موعدا متجددا للفنانين والموسيقيين والمفكرين والجمهور القادم من مختلف الآفاق.
كما احتضنت الصويرة دورات للجامعة الاستضافية، التي فتحت المجال أمام نقاشات في الفكر والمعرفة والتنمية، وسعت إلى وصل المدينة بأسئلة العصر، من دون التفريط في خصوصيتها الثقافية وهويتها التاريخية.

دار الصويري.. بيت مفتوح للفكر والإبداع
وفي قلب هذا الحراك، تبرز دار الصويري باعتبارها فضاء ثقافيا واجتماعيا يحتضن مبادرات متنوعة، ويمنح الفنانين والمثقفين والجمعيات والجمهور فرصة للقاء والتفاعل،
فالمكان، بما يضمه من مكتبة وسائطية للمعرفة والحوار، وفضاء للعرض يحمل اسم “الطيب الصديقي”، وبهو يحتضن أمسيات موسيقية وأنشطة ثقافية، تجاوز وظيفة الفضاء التقليدي ليصبح نافذة مفتوحة على أشكال متعددة من التعبير والإبداع.
ولا يقتصر إشعاع دار الصويري على ما تحتضنه من أنشطة ثقافية وفنية، وإنما يمتد إلى أسلوب تدبير هذا المرفق الذي يشكل مقرا للجمعية، إذ يشرف على تسييره فريق عمل متكامل ومتجانس، يقوده الشاب أناس الخرموعي، الذي أبان، على مدى نحو سنتين من توليه مسؤولية الإدارة، عن كفاءة عالية في التدبير وروح من الالتزام والمسؤولية في مواكبة الأنشطة اليومية لهذا الفضاء وصيانة ديناميته الثقافية والاجتماعية.
ومن خلال الأنشطة التي تحتضنها دار الصويري، تتجدد الصلة بين التراث والحاضر، وبين المعرفة والممارسة، ويجد الشباب والمهتمون بالفنون والثقافة مجالا للتعلم والتواصل وتبادل الأفكار. وهكذا تتحول الثقافة إلى ممارسة يومية تتجاوز حدود الفرجة، لتسهم في بناء الوعي وتعزيز الانتماء إلى المدينة.
ولم يقتصر إنشغال الجمعية على الجانب الثقافي، إذ شمل دعم المبادرات المرتبطة بالمحافظة على التراث الاجتماعي والاقتصادي، والمساهمة في إعداد ملفات ودراسات تتصل بالتنمية المستدامة ومشكلات المدينة ومحيطها، والعمل مع المؤسسات والجمعيات ذات الأهداف المشتركة على المستويات المحلية والوطنية والدولية.
كما امتدت المبادرات إلى دعم الكتاب والشعراء والزجالين من أبناء الصويرة، عبر المساهمة في نشر مؤلفاتهم ودواوينهم، بما يتيح للأصوات المحلية فرصة الوصول إلى القراء وإغناء المكتبات بإنتاج أدبي يعكس تنوع التجربة الإبداعية بالمدينة.
التنمية.. حين تتحول المبادرات إلى أفق للمستقبل
ارتبطت مسيرة الجمعية أيضا بالدفاع عن حاجات الصويرة التنموية، وإبراز ضرورة تحسين بنياتها التحتية وتعزيز انفتاحها على محيطها الوطني والدولي.
وفي هذا الإطار، انخراطت الجمعية في جهود ومبادرات ارتبطت بتأهيل الفضاءات الثقافية، وتعزيز جاذبية المدينة، والترافع من أجل مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي.
وتشمل هذه الجهود، مبادرات مرتبطة بمطار الصويرة موكادور، وبيت الذاكرة، وترميم معابد يهودية، فضلا عن ملفات تتصل بتحسين البنيات الأساسية وفك العزلة عن المدينة.
أندري أزولاي.. ارتباط دائم بالمدينة ورسالتها الإنسانية
يظل اسم أندري أزولاي حاضرا في استحضار نشأة الجمعية ومسارها، باعتباره مؤسسها ورئيسها المؤسس، وأحد الوجوه المغربية التي ارتبطت بالدفاع عن الحوار بين الثقافات والحضارات.
وارتبط حضوره في المشهد العام أيضا بالدعوة إلى ترسيخ قيم التسامح والتعدد والتعايش، وهي قيم تنسجم مع الصورة التي عرفت بها الصويرة بوصفها فضاءً لتلاقي روافد ثقافية ودينية متعددة.
ومن خلال مبادرته إلى تأسيس الجمعية، برزت فكرة جعل حب المدينة مسؤولية عملية تتجاوز الحنين إلى الماضي، لتتحول إلى عمل متواصل من أجل تنميتها وإبراز مؤهلاتها. وشكل التعاون بين الفاعلين الجمعويين والمؤسسات والسلطات والمنتخبين ومختلف الأوساط الثقافية والاقتصادية عنصرا مهما في هذا المسار.
قيادة جمعوية تراهن على الإستمرارية
منذ تولي طارق محمد عثماني رئاسة المكتب التنفيذي لجمعية الصويرة موكادور، قبل أكثر من عشر سنوات، شهدت الجمعية تطورا ملحوظا في أنشطتها المتنوعة وبرامجها الثقافية والتنموية، التي امتدت أبعادها من المجال المحلي إلى المستويين الوطني والدولي.
وتجلى هذا التطور في تعدد المبادرات واللقاءات والتظاهرات، واتساع مجالات الانفتاح والتعاون، بما عزز حضور الجمعية في المشهد الثقافي والمدني، ورسخ مكانتها فاعلا في خدمة الصويرة والتعريف بمؤهلاتها الحضارية. وهي جهود تحظى بتقدير المتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي والجمعوي، بالنظر إلى ما راكمته من أنشطة ومبادرات أسهمت في تنشيط الحياة الثقافية وتعزيز إشعاع المدينة.
إن مدينة الصويرة، بما تختزنه من تراث وإبداع وتعدد، تستحق أن تظل مدينة لا تكتفي باستعادة أمجادها، وإنما تصنع من ذاكرتها طاقة للمستقبل، ومن طموحات أبنائها مشروعا مشتركا يتسع للجميع.


